التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - خامسا آفاق الولاية الإلهية
٢/ حين يطمئن القلب الى ولاية الرب (والحب المتبادل بينهما)، فإن المؤمن يعتصم به عند الشدائد، فلا يدع للحزن والوهن والخوف والتردد أن يتسرب إلى حريمه المصون بالتوكل والثقة بالله العزيز الحكيم. يقول ربنا سبحانه: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلى النَّاسِ فَاقِيمُوا الصَّلَاةَ وءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج/ ٧٨)
٣/ ومن هنا كان الاعتصام بالله والتوكل عليه ضرورياً عند تطبيق أحكام الدين، وقد أمرنا بذلك في سياق الأمر بالأحكام. فلما حذرنا ربنا من محاولة الأعداء إضلالنا، ذكرنا بأنه ولينا. قال الله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ اوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ ان تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِاعْدَآئِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً) (النساء/ ٤٤- ٤٥)
٤/ ومن آفاق الولاية، البراءة من أعداء الله. فهؤلاء الملائكة رفضوا الذين اتخذوا أرباباً من دون الله، وقال الله عنهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلآَئِكَةِ أَهَؤُلآءِ ايَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ) (سبأ/ ٤٠- ٤١)
٥/ لكي يواجه المؤمن ضعفه البشري، عليه أن يعرف أن الله ولي من اتقاه. فإذا كان الظالمون يتناحرون فيما بينهم، واذا كان بعضهم أولياء بعض، فإن الله ولي المتقين (يدفع عنهم كيد الظالمين ومكرهم). قال ربنا سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ* إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) (الجاثية/ ١٨- ١٩)
وهكذا كانت الشريعة الواضحة التي جعل الله رسوله (والمؤمنين) عليها مخالفة لأهواء الظالمين، الذين سوف يتآمرون ضدها وضد المؤمنين بها، إلّا أن ولاية الله للمتقين الذين يعملون بتلك الشريعة لا تدع مجالًا للضعف والوهن عندهم في اتباعها.
٦/ ومن آفاق الولاية الإلهية، ولاية الملائكة الذين يتنزلون على الذين استقاموا على كلمة التوحيد، ويبعثون في أنفسهم السكينة. يقول الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ