التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - ثانيا بين العقل والهوى
وقالت اليهود الذين ضاهئوا في هذه الكلمة الفاحشة الفلاسفة الاغريق، قالت: إن يد الله مغلولة. وقال الله سبحانه عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراًمِنْهُم مَآ انْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَاهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة/ ٦٤)
وسواءً الجبر أو التفويض في نفي المسؤولية عن الانسان؛ فمن ذهب الى الجبر تحرر بزعمه من مسؤولية أفعاله، بل إستسلم لقدره واسترسل مع الحتميات التي تقوده من طور الى طور. وتتعدد الحتميات عند هؤلاء؛ مثل حتمية الاقتصاد والشهوات، وحتمية الاجتماع والسياسة، وحتمية الدورات الحضارية وغيرها.
أما القائلون بالتفويض، فإنهم أيضاً يتحللون من مسؤولية أفعالهم حين ينفون أية قدرة على التغيير عند الرب؛ فكيف بهم؟
ولعل القدرية الذين لعنهم الرسول صلى الله عليه وآله في هذه الأمة، وسمّاهم مجوس هذه الأمة، هم الذين يتحللون من المسؤولية سواءً بالجبر أو بالتفويض. وهكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:" القدرية مجوس أمّتي". [١]
أما المذهب الذي أرسى قاعدة المسؤولية عقائدياً، وزرع الإيمان بالقدرة على الاختيار عند الانسان، فهو الدين الحنيف الذي يقول (على لسان الإمام الصادق عليه السلام):" لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين". [٢]
ثانياً: بين العقل والهوى
١/ قدرة البشر على الاختيار الحر، لا تعني أن له أن يختار الباطل على الحق، والهوى على العقل.
كلّا؛ إنما عليه إختيار الحق والرشد، وإن قيمة إختياره الحق تتجلى عندما تكون من دون إكراه. قال الله سبحانه: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ* فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) (البلد/ ١٠- ١٤)
[١] بحار الأنوار، ج ٥، ص ٦.
[٢] المصدر، ج ٤، ص ١٩٧.