التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٦ - باء التوكل على الله سلم الطموح
وهكذا تتبلور فطرة الإنسان حينما يعرف نفسه، والحكمة من خلقه، وآفاق التقدم أمامه، تلك التي لا تُحدّ بالدنيا ولا بالشؤون المادية ولا حتى بالجنة، بل تصل الى حيث النظر الى وجه الله والجلوس في مقعد الصدق عنده والفوز بمناجاته.
باء: التوكل على الله سلم الطموح
وهذه النظرة الشامخة الى الإنسان، تتجلى حقاً عند الإنسان المؤمن بالله والعارف بأسمائه الحسنى، والتي منها أنه هو البرّ الرحيم، وأنه غافر الذنب، قابل التوب، ذي الطول، وانه قريب إذا دعي، مجيب إذا سئل. وكلّما ازداد المؤمن وعياً باسماء الله سبحانه، كلّما ازداد نعمة وطموحاً. أوليس العبد يعتز بربه الرحيم الحنّان، الذي دعاه الى فضله ورحمته ولم يقطع إحسانه إليه ولا لحظة واحدة، بل دعاه أبداً ودائماً الى الاستزادة من فضله؟
وقد قال الإمام الحسين في دعائه الذي ناجى به ربه في يوم عرفة، قال:" لقد خاب من رضي دونك بدلًا، ولقد خسر من بغى عنك متحولًا، كيف يُرجى سواك وأنت ما قَطعتَ الاحسان، وكيف يُطلَبُ من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان. يا من أذاق أحبائهُ حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملّقين، ويا من ألبس أوليائهُ ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين". [١]
وهكذا يصول الإنسان المؤمن ويجول، لا بحوله وقوته، وإنما بحول الله العظيم وقوته القاهرة. وعندما يتطلع إلى قمة، فهو يضع في حسابه ما يحصل عليه من فضل ربه وما يستدر من رحمته الواسعة. وبهذا يستطيل ويستطيل حتى يصبح مثلما يصفهم الإمام الحسين في رائعة من دعائه يوم عرفة: (أنت الذي أشرقتَ الأنوار في قلوب أولياءك حتى عرفوك ووحّدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائُك حتى لم يُحبوا سواك، ولم يلجئوا الى غيرك. أنت المونس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم). [٢]
إن سمو الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين الى مستوى جعل الملائكة يعيشون العجب حتى باهى بهم ربهم ملائكته، إن ذلك لدليل على مدى قابلية الإنسان إذا اتصل قلبه بنور ربه أن يسمو وأن يتعالى بفضل الله.
[١] مفاتيح الجنان، للمحدث القمي، دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة، ص ٢٧٣.
[٢] المصدر.