التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢ - تمهيد
جميعاً، ودعاه الى أن يعبده لا يعبد أحداً سواه حتى ينال كرامته، ويرتحل غداً الى دار ضيافته، ويكون جليسه في مقعد صدق .. إذا كانت هذه هي رؤيته عن نفسه، فإنه لا يقف عند حد في علو الهمة وسمو الهدف.
وهكذا نتدرج هنا في بحث آفاق التطلع عند الإنسان، وكيف نتجاوز العقبات التي تعترض سبيل تطلع الإنسان وتساميه؛ تلك العقبات تتجسد في محورية القضايا المادية، وفي تجاهل جوهر الإنسانية وحقيقتها .. ونعرف أن الأصل هو الإنسان وليس عنصره أو قوميته أو طبقته أو أرضه وأقليمه.
ونتحدث بعدئذ عن العلاقة السليمة بين الناس، والتي تقوم على أساس الرحمة المتبادلة والتعاون البناء، والتنافس على المكرمات.
ونفصل القول في هذه البصائر عبر أربعة فصول وتمهيد؛ أما التمهيد فإنه يتناول بصيرة التطلع، وعلوّ الهمة، حيث نشير تحت هذا العنوان الى أن من كرامة الله للإنسان أنه سبحانه قد أغرز في وجدانه فطرة التسامي التي تبعثه أبداً الى الأعلى، وإنما دست هذه الفطرة في ركام من الوساوس الشيطانية والتي تنفث فيه اليأس والكسل أو تضله عن الطريق السليم الذي لا بد أن يسلكه لتحقيق تطلعاته. أما منهج الوحي فإنه يتدرج مع الإنسان في ثلاث مراحل؛ ففي المرحلة الأولى تستثير فطرة التطلع فيه، وفي الثانية تفك الأصر والأغلال التي تصده عن التسامي، وفي المرحلة الثالثة والأخيرة تعلمه بقائمة الأهداف السامية التي ينبغي له أن يسمو فيها. هذا ما نمهّد به للحديث عن آفاق التطلع عند البشر، ثم نتحدث عبر فصول في بيان حقائق التطلع.
ففي الفصل الأول نتحدث عن الكرامة التي هي من القيم المثلى التي يورثها الإيمان، وبيّنا فيه معنى الكرامة، وحقيقتها في حياة البشر جميعاً، وحقائقها في حياة المؤمنين خاصة.
وفي الفصل الثاني، نتحدث عن تسامي جوهرة الإنسان وتعاليها عن التمايزات والفروق المادية. ذلك أن أصل البشر من آدم، وآدم من تراب. فلا الثروة ولا القوة ولا العلم والجاه والجمال ولا أية قيمة مادية أخرى تميز الإنسان عن نظيره الإنسان، أو تجعل إنساناً رباً والآخر عبداً.
وإنطلاقاً من هذه البصيرة التي تكرس كرامة البشر وتجعل الانسانية أصلًا ومحوراً وقاعدة، ينفي الدين الحنيف أي نوع من التمايز بين بني آدم؛ فلا عنصرية ولا طبقية، ولا طغيان في القومية ولا علو في الوطنية، ولا حمية جاهلية من أي مصدر كانت.