التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩ - ثالثا لا إكراه في الدين
وعلى هذا ترسو قاعدة المسؤولية. فلأنه حر ولأن عليه أن يختار الحق، فإن خالف عوقب. وهذه القاعدة هي أساس كل التعاليم الأخلاقية والأنظمة الجزائية، وهي أساس معاملة الناس جميعاً في الأرض.
٢/ فإن كان الشخص مكرهاً لم يحاسب، ولو كان غير ملزم بشيء لم يعاقب على تركه، بينما الانسان محاسب ومعاقب. قال الله سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس/ ٧- ١٠)
٣/ لقد وفّر الله للانسان فرصة الاختيار، ولكنه فرض عليه إختيار الحق، فإن لم يفعل عذبه في الآخرة عذاباً نكراً. (فهو من الناحية التكوينية حر، ومن الناحية التشريعية مكلف مفروض عليه الحق). قال الله سبحانه: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكُفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف/ ٢٩)
وجاء في حديث شريف عن أبي بصير، قال: قال الإمام الصادق عليه السلام:" شاء وأراد، ولم يحب ولم يرض. قلت: كيف؟ قال: شاء أن لا يكون شيء إلّا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر. [١]
ثالثاً: لا إكراه في الدين
مادام الدين الصحيح هو الذي يختاره الشخص بحرية وبعد أن يتعرف عليه بيقين، فإن الدين لا إكراه فيه. ولو أراد الله إكراه الناس على الهدى، إذاً أجبرهم عليه، ولم يكن لأحد حجة عليه. فهو الرب العزيز الجبار، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
من أعظم ما في الدين، تحرير الإنسان من الجبت والطاغوت. ذلك ان الجبت يضغط على الارادة من داخل النفس، ويفقد الانسان القدرة على الاختيار السليم. فالكبر والحسد والحمية
والبخل والجبن والفشل وسائر الفواحش الباطنية والعقد النفسية، إنها جميعاً أغلال تحيط بالمشيئة الحرة عند البشر، ورغماً على صاحبها تدفعه الى حيث لا يريده بعقله، فاذا به يرتكب الفواحش والجرائم ويندم بعد فوات الأوان. والذي يحررك من الجبت أولًا: إيقاظ العقل. ثانياً: أن يذكر
[١] بحار الأنوار، ج ٥، ص ٩٠، ح ١٠.