التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧ - سد المعاذير
١/ الشرك بالله سبحانه، والذي هو أعظم إفك إختلقه الشيطان لغواية الإنسان عن ربه وعن مسؤولياته أمامه سبحانه. فالمشرك يزعم أنه يتخلص من مغبة أفعاله بوسيلة الآلهة التي يعبدها، أو الأنداد الذين يتخذهم أولياء من دون الله تعالى.
إن كثيراً من المشركين زعموا أن الآلهة التي عبدوها من دون الله تغني عنهم شيئاً، أو تتحمل عنهم وزراً. ولكن الله ذكر بأنه سبحانه رب كل شيء، وأنه لا تكسب كل نفس (وزراً) إلّا عليها (دون غيرها). قال الله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الانعام/ ١٦٤)
وهكذا نستفيد من الآية؛ إن التعلق بغير الله سبحانه لا يدفع عن الإنسان جزاء أفعاله.
٢/ عقيدة الجبر، والتي يزعم أصحابها إن أفعال العباد هي من خلق الله، والبشر ليسوا مسؤولين عنها. هذه العقيدة التي إتخذها القدرية عذراً لارتكابهم السيئات، إنها واحدة من أعظم منافذ التهرب عن المسؤولية. والله سبحانه ينفيها بصراحة، حيث يقول عزّ وجل: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوْا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الزمر/ ٧)
إن الله سبحانه لا يرضَ بالكفر، ولا يمكن أن يكون هو الذي ألجأ المشركين الى الشرك، أو أجبرهم- سبحانه- على المعاصي. فكيف يجبر أحداً على ذنب، وليس ربنا بظلام للعبيد؟ وكما جاء في حديث شريف مأثور عن فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (الامام الصادق عليه السلام) يقول: شاء (الله) وأراد ولم يحب ولم يرضَ؛ شاء أن لا يكون شيء إلّا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرضَ لعباده الكفر. [١]
ولعل خاتمة الآية تشير الى أن تهرب الإنسان من المسؤولية باختلاق الوساوس والظنون، إنه مما يعلمه الله، لأنه عليم بذات الصدور. فلا تنفعه تلك الظنون، لأن داعيه الى اختلاقها معروف عنده وعند الله سبحانه.
٣/ الحتميات التي آمنت بها فلسفات بشرية شتى، هي الأخرى من تلك المعاذير التي أفك بها الانسان. كلا؛ إن للإنسان القدرة الكافية التي يحمله الله المسؤولية بقدرها، وهو القائل
[١] التوحيد، للصدوق (ره)، ص ٣٣٩.