التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٢ - حقيقة الخيار
أ- حينما يعقد طرفان صفقة البيع، يكون لهما الخيار ماداما في مجلس العقد، لأنه قد يكون إجراء العقد قد تم قبل التروي الكامل، أو بسبب إستحياء طرف من الآخر، أو جهل لبعض خصوصيات البيع. فمادام المجلس لم ينفض يكون لهما الخيار، حيث جاء في الحديث:" البيّعان بالخيار حتى يفترقا". [١]
ب- في خيار الغبن أو العيب أو الرؤية أو تبعض الصفقة لم يكن أحد الطرفين راضياً حقيقة بما عقد عليه، فكان المشتري مثلًا يظن أن البيت الذي إشتراه قيمته مأة ألف، بينما يكتشف الآن إن قيمته ٧٥ ألف فقط، وأنه قد غبن. فلأنه قد إختل رضاه، وضع له الخيار. وكذلك إذا وجد فيه عيباً، فإنه لم يكن راضياً حقيقة بالمتاع المعيوب، فشرع له الخيار. وهكذا لو إشترى مالم يره، ثم رآه بغير تلك الصفة التي أرادها، شرع له الخيار، لأنه لم يرض حقيقة بهذا المتاع. وهكذا لو إشترى بيتاً ثم تبين أن نصفه مملوك لغير البائع، يكون له الخيار.
ج- وقد يرضى المشتري بالعقد بشرط الخيار منذ البدء، لأنه ليس متأكداً من بعض ملابسات العقد؛ مثلًا لا يعلم هل يستطيع أن يوفر الثمن، فرضاه مشروط سلفاً وليس بكامل.
د- وهكذا خيار الحيوان قد شرِّع، لأن عيوبه ليست ظاهرة وقد تظهر خلال ثلاثة أيام، فيكون المشتري بالخيار الى انقضاء تلك الأيام، إلّا إذا قرر إلغاء خياره مثلًا بذبحه أو التصرف فيه.
ومن هذا البيان نعرف أن جوهر الخيار لا يختلف عن لحوق الإذن في عقد الفضولي أو عقد المكره وما أشبه من العقود التي تفتقر الى الرضا. فإذا لحق بها الرضا صحت، لأن التراضي أهم أركان العقد، فمع فقده يأكل الناس أموالهم بالباطل، حيث قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ) (النساء/ ٢٩).
والتراضي لا يكون من دون الإجازة في الفضولي والمكره ومن أشبههما. وفي كثير من موارد الخيار نحن بحاجة الى التأكد من حقيقة التراضي؛ مثل حالة الغبن الفاحش، أو العيب غير الظاهر عند المشتري، أو ما أشبه.
ويبقى سؤال: إذا افترضنا حالة من خلل الإرادة، أو نقص التراضي لم يصرح الشرع بها، ولم يجهل لاكماله خياراً، ولكن العقل أو العرف وجداه، فهل يجوز لنا أن نشرع له خياراً جديداً، أم لا بد أن نقتصر في الخيارات على الموارد المنصوصة؟
[١] وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣٤٥، كتاب التجارة، ابواب الخيار، الباب ١، ح ١.