التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - الملكية
٨/ والتمليك تم في حدود التخويل والتسخير، وضمن أهدافهما السامية. قال ربنا سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (يس/ ٧١)
وهكذا تجد الملكية (ولعل معناها هنا التسلط والهيمنة) من نعم الله على البشر. فالملكية هنا هي نتيجة التسخير. فلأن الله سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، لذلك كان قادراً عليهما بما أقدره الله عليه منهما.
٩/ ولا يجوز أن يتخذ الإنسان إمتلاكه ناصية السلطة أو المال وقدرته على تسخير الطبيعة، وسيلة الاستكبار على الناس، كما فعل فرعون؛ لأن الملك لله، وإنما هو مخوّل بالتصرف فيه حسب فترة محدودة، ولهدف محدد. ومن هنا فقد أخطأ فرعون إذ قال ما حكى الله عنه بقوله سبحانه: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الانْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف/ ٥١)
١٠/ ولا يجوز أن يحسد أحد غيره على ما أتاه الله من الملك، لأن الملك لله يورثه من يشاء من عباده. قال الله سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً) (النساء/ ٥٤)
١١/ ومن مفردات الملكية (والقدرة على الطبيعة)؛ قيمة المال، (ذلك لأن المال هو نتيجة الملكية). وللمال حكمته التي لو تجاوزها لأصبح وبالًا على صاحبه، وفساداً في المجتمع عريضاً. وقد بيّن ربنا بعض هذه الحكمة عبر قصة قارون، الذي أوتي مالًا فلم يحسن التصرف فيه، وخسف الله به وبداره الأرض.
وأول ما ذكّر به الرب عند بيان المال وكيف نتعامل معه، أن تجنب الفرح به. فقال الله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ اوْلِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص/ ٧٦)
ولعل الفرح بالمال هو الاغترار به، وجعله قيمة سامية في حياة الفرد، وتقييم كل شيء على أساسه.
وبناءاً على ذلك، لا ينبغي أن يصبح المال إلهاً يعبد من دون الله، فإذا عبده الإنسان أنساه الله نفسه وأنساه قيمه السامية وأهدافه المعنوية.
١٢/ وقد وصّى الله سبحانه الإنسان بابتغاء مرضاته بالمال ودفع حقوق الناس المفروضة فيه.