التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨١ - تأملات في الحديث
المتعارف فيه. فإن كان الأثر المتعارف المترقب منه من وجوه الصلاح، ومما يتقوم به المعاش، حل بيعه وإجارته وسائر التقلبات فيه. [١]
ويبقى سؤال: لو افترضنا إن جهة الحرام هي الغالبة في المجتمع، ولكن شخصاً يريد البيع لجهة الحلال، فهل يحرم البيع أم لا؟ (علماً بأن المناط في العقود حال المتعاقدين في طبيعة العقد وفي تحديد الثمن والمثمن، وما أشبه). الأقرب هو تقليب الحالة الذاتية (حال المتعاقدين) على الحالة الموضوعية، وذلك للأدلة التي نسوقها إن شاء الله في النقاط التالية في أقسام التجارة.
٣/ جاء في الحديث:" لأن ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه". ومن هذا التعبير نستفيد؛ إن سبب الحرمة هو النهي، فإذا لم يكن منهياً عنه لم يحرم. وإنما يحرم ما يتصل بواقع النهي، فإذا كان شيء منهياً عن أكله وشربه، ولكنه ليس منهياً عن استخدامه في الدواء (كالسم)، فهل يحرم إذا قصد المتعاقد التداوي به؟ لا يبدو ذلك. فالمحرم هو أن يكون التعامل للوصول الى الحرام، بدليل الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله: إن الله إذا حرم شيئاً حرّم ثمنه. [٢]
وهكذا النجس والمتنجس الحرام منهما التعاقد عليهما للاستفادة المحرمة منهما، مثل ممارسة الأكل والشرب والصلاة وسائر الاستعمالات المنهية. أما الاستخدام الحلال لهما فلا حرمة في التعاقد، كاستخدام مدفوع الإنسان أو خرء الحيوان في التسميد، وكاستخدام الدهن المتنجس في الاستصباح أو في صناعة الصابون، أو استخدام الميتة في التسميد أو في أي غرض مشروع. فإذا كان الشيء حلالًا، كان ثمنه حلالًا.
من هنا قال المرجع الشيرازي: ولما كان ظاهرها (ظاهر الرواية التي نتحدث عنها) إن علة المنع في بيع الأعيان النجسة حرمة الانتفاع، فمقتضاها الحلية في غير موردها، ولذا نرى أن (أنه) بعد صنع الفضلات صابوناً ونحوه، أو الدم صبغاً وما أشبه (فإنه) جاز (ت) المعاملة. [٣]
وقال آية الله المنتظري: إن ذكر وجوه النجس أيضاً في عداد ما يحرم المعاملة عليها، ينصرف الى المعاملة عليها بلحاظ ما كان يترتب منها غالباً في ثلث الأعصار، حيث كانوا يستفيدون منها
[١] دراسات في المكاسب المحرمة، (الناشر: نشر تفكر، قم عام ١٤١٥ ه-)، ج ١، ص ٨٥.
[٢] عن كتاب الخلاف، ٣/ ١٨٤ و ١٨٥، المسألتان: ٣٠٨ و ٣١٠.
[٣] الفقه، المكاسب المحرمة، ج ١، ص ٧.