التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٠٤ - أولا حقائق التواضع
إن صلة هذه الطائفة المختارة من المؤمنين، صلتهم بربهم التي سمت الى درجة الحب المتبادل، حيث أن الله يحبهم وهم يحبونه، جعلهم يحبون بعضهم ويتساهلون في علاقاتهم حتى يحسب الناظر إليهم أنهم أذلة على بعضهم.
بلى؛ إن ذلتهم ليست لبعضهم، وإنما على بعضهم؛ أي تبقى الكرامة هي شعورهم الداخلي.
أوليسوا هم عباد الله المكرمين، الذين لا يشعرون بالضعف ولا بالهوان ولا بالذل؟ وكيف يكون ضعيفاً من يتوكل على الله، وكيف يكون ذليلًا مَن يستمد القوة من ربه القوي العزيز؟ قال الله سبحانه: (يَقُولُونَ لَئِن رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون/ ٨)
٢/ الرحمة ينبوع التواضع، فالقلب الرحيم الذي لا ينغلق على ذاته، ولا يفكر فقط في مصالحه، بل يرفرف في رحاب البشر، بل في رحاب الخليقة، ويفكر في خير الجميع .. ذلك القلب يفيض منه التواضع؛ والذي يتجلى في خفض الجناح كما الطير يخفض جناحه لافراخه رحمة بها وتمهيداً لاطعامها، كذلك الولد الوفي يخفض جناحه لوالديه شكراً لهما على ما بذلاه في خدمته حينما كان صغيراً، وكانا يخفضان له أجنحة الرحمة لتربية روحه بالعاطفة، وجسمه بالطعام والشراب، وعقله بالتعليم والتأديب.
هذا بعض ما نستوحيه من قول الله سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الاسراء/ ٢٤)
وفي كلمات النبي وأهل بيته عليه وعليهم صلوات الله وسلامه تبيان حقائق التواضع، وبتعبيرات بالغة الوضوح.
أ- فأبرز حقائق التواضع؛ العبادة الخالصة لله سبحانه. ولقد جاء في بيان فلسفة العبادات عن الإمام علي عليه السلام:" ... ولما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولحوق البطون بالمتون من الصّيام تذلُّلًا". [١]
وفي حديث آخر عن حكمة إجتباء النبي موسى عليه السلام، روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه قال:" أوحى الله عز وجل الى موسى عليه السلام: أن يا موسى أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: يا ربِّ ولم ذاك؟ قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا موسى إنّي
[١] ميزان الحكمة، ج ١٠، ص ٥٠١، ح ٢١٥٣٠.