التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - أولا تولي المناصب للظالم
وحكى عن بعض الفقهاء من متأخري المتأخرين التفصيل في أمر الولاية للجائر، فاذا كان قبولها للرئاسة وجمع المال فممنوعة، وإذا كان ذلك بهدف قضاء حوائج المؤمنين وفعل بعض الطاعات جازت، حتى ولو كان دافع حب الرئاسة وجمع المال موجوداً لدى الشخص فهو من باب خلط العمل الصالح بالعمل السيئ.
أما العلامة النجفي فقد حمل نصوص المنع من تولي الجائر على الولاية على المحرمات، أو الممزوجة بالحرام والحلال. ونصوص الجواز على الولاية على المباح كجباية الخراج ونحوه. واعتبر جواز ذلك رأفة بحال المؤمنين، ورفقاً للضيق والحرج في هذا الزمان ونحوه من أزمنة التقية. [١]
والذي دعا الفقهاء الى تبني آراء تفصل بين أنواع الولاية وظروفها المختلفة، إنما هو اختلاف الروايات التي سنذكر باذن الله سبحانه بعضاً منها. فمنهم من جعل إجازة الولاية للجائر أصلًا، بينما جعل المنع منها بسبب إشتمالها على الحرام. ومنهم من جعل الحرمة أصلًا، والاجازة للضرورة أو لتسهيل الأمر على الشيعة في ظروف التقية ..
ويبدو لي أن علينا ردّ الروايات عند تشابهها واختلافها؛ ردّها الى محكمات القرآن المجيد والسنة الشريفة. وكتاب ربنا صرّح في حرمة التعاون على الإثم والعدوان، وولاية الجائر بذاتها عدوان، فكيف يجوز إعانته فيها، وأية إعانة أكبر من الانخراط في أجهزته؟ على اننا أمرنا بنص الذكر الحكيم بتجنب الطاغوت وحرمة التحاكم إليه، فكيف يجوز تولي أموره؟ وقد أفتى الفقهاء جميعاً، ومنهم
المحقق الحلي على حرمة التحاكم الى الجائر (الطاغوت)، وحكى العلامة النجفي الاجماع على ذلك، بل واعتبره من كبائر الذنوب كما يأتي الحديث عنه إن شاء الله لاحقاً.
فكيف يكون الأصل جواز الولاية لهم؟ ..
من هنا نرى أن الأصل هو حرمة تولي المناصب من قبل الجائر، إلَّا لضرورة بالغة أو لظروف التقية. والدليل على ذلك انه إعانة على ظلمه، ومخالفة لاجتناب الطاغوت، وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام حكمة هذه الحرمة الشديدة في الحديث المأثور عنه في كتاب تحف العقول. إذ بيّن أن الولاية ذات جهتين؛ فولاية الحاكم العادل جائزة، ثم قال: وأما وجه الحرام من الولاية، فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته والعمل لهم والكسب لهم بجهة الولاية معهم حرام محرم معذب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لأن كل شيء من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر.
[١] جواهر الكلام، ج ٨، ص ٨٣- ٨٤، بتصرف منا في توضيح وتشذيب بعض العبارات.