التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - فقه الآيات
وقال الله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء/ ٦٤)
ولكن الله لم يأمر بالاقتداء بالرسل بوجه مطلق، وانما أمر بالاقتداء بهداهم، فقال سبحانه- بعد أن ذكر طائفة من الرسل العظام-: (اولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لآ أَسْالُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (الانعام/ ٩٠)
والسؤال: ما هي الحكمة في تخصيص الأمر بالاقتداء العملي بسيرة الرسل بالهدى، بينما جاء الأمر بطاعتهم بوجه مطلق؟
لعل الحكمة تتمثل في إختلاف القول عن العمل. فالقول واضح مبين، بينما العمل مجمل. فلو لم يشفع بقول أو بقرائن مبينة، فان وجهه لا يكون معلوماً. فهذا النبي موسى عليه السلام لم يعرف وجه ما فعله العالم الذي إصطحبه، حتى بيّن له العالم تأويله.
ومن هنا قال علماء الأصول: إن عمل المعصوم إنما يكون حجة إذا عرف وجهه.
قال العلامة المظفر: لا شك في أن فعل المعصوم- بحكم كونه معصوماً- يدل على إباحة الفعل على الأقل، كما أن تركه لفعل يدل على عدم وجوبه على الأقل. [١]
ثم قال: إنه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع من ذلك، وذلك فيما إذا صدر منه محفوفاً بالقرينة، كأن يحرز أنه في مقام بيان حكم من الأحكام، أو عبادة من العبادات كالوضوء والصلاة ونحوهما، فإنه- حينئذ- يكون لفعله ظهور في وجه الفعل عن كونه واجباً أو مستحباً أو غير ذلك حسبما تقتضيه القرينة. [٢]
وقال الغزالي: لا يمكن دعوى العموم في الفعل، لأن الفعل لا يقع إلّا على وجه معين. فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه، لأن سائر الوجوه متساوية بالنسبة الى محتملاته. والعموم ما يتساوى بالنسبة الى دلالة اللفظ عليه، بل الفعل كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ. [٣]
وضرب مثلًا على ذلك لصلاة النبي صل الله عليه وآله في الكعبة، وقال: فليس لقائل أن يستدل به على جواز الفرض. [٤]
[١] اصول الفقه، ج ٢، ص ٥٨.
[٢] المصدر، ص ٥٩.
[٣] المستصفى، ج ٢، ص ٦٤.
[٤] المصدر.