التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - أولا في الدين والثقافة
أنت فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحب أحداً محبة الهوى كما تحب فيقدم من لا يستحق التقديم، وإنما معاملته بالعدل، فلا يؤثر لأفضل مراتب الدين وخلاله إلَّا الأفضل في طاعته والأجد في خدمته، وكذا لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله إلّا أشدهم تباطئاً عن طاعته. وإذا كان هذا صفته، لم ينظر إلى مال ولا إلى حال، بل هذا المال والحال من تفضله، وليس لأحد إكراهه من عباده عليه ضريبة لازب [١]، فلا يقال له: إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة إيضاً، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده؛ ولا إلزامه تفضلًا، لأنه تفضل قبله بنعمة. ألا ترى يا عبد الله كيف أغنى واحداً وقبح صورته، وكيف حسن صورة واحد وأفقره، وكيف شرف واحداً وأفقره، وكيف أغنى واحداً ووضعه؟ ثم ليس لهذا الغني أن يقول: هلا أضيف إلى يساري جمال فلان؟ ولا للجميل أن يقول: هلا أضيف إلى جمالي مال فلان؟ ولا للشريف أن يقول: هلا أضيف إلى شرفي مال فلان؟ ولا للوضيع أن يقول: هلا أضيف إلى مالي شرف فلان؟ ولكن الحكم لله، يقسم كيف يشاء، ويفعل كما يشاء، وهو حكيم في أفعاله، محمود في أعماله. وذلك قوله: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) قال الله (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) يا محمد (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فأحوجنا بعضاً الى بعض؛ أحوج هذا الى مال ذلك، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا والى خدمته. فترى أجلّ الملوك وأغنى الأغنياء محتاجاً الى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب، أما سلعة معه ليست معه، وإما خدمة يصلح لها يتهيأ لذلك الملك أن يستغنى إلّا به، وإما باب من العلوم والحكمة هو فقير الى أن يستفيدها من هذا الفقير الذي يحتاج الى مال ذلك الملك الغني، وذلك الملك يحتاج الى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته. ثم ليس للملك أن يقول: هلا إجتمع الى مالي علم هذا الفقير، ولا للفقير أن يقول: هلا إجتمع الى رأيي ومعرفتي وعلمي وما اتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني؟ [٢]
ه- ومن هنا كان تقييم الأغنياء لرسالات الله تعالى تقيماً خاطئاً دعاهم الى الكفر بها، ويضرب الله مثلًا بذلك المترف الذي رمى الرسالة بالسحر، فقال الله سبحانه: (وَبَنِينَ شُهُوداً* وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ* كَلآَّ إِنَّهُ كَانَ لَايَاتِنَا عَنِيداً* سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً* إِنَّهُ فَكَّرَ
[١] الضريبة: الجزية. واللازب: الثابت.
[٢] تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ٥٩٧- ٥٩٩.