التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - لمواجهة الفساد المالي
الثانية: إنما مثل المال مثل سائر النعم الإلهية، إذا حققت مثل الدين العليا، اعتبرنا دوره إيجابياً. ومثل الدين هي إخلاص العبودية لله، وتجنب كل أنماط الشرك والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإقامة مجتمع الحق والعدل والحرية.
أما كيف نحقق الدور الإيجابي للمال؟ أهم ما ينبغي أن نفعله من أجل ذلك هو أن نمنع المترفين من أن يستخدموا المال في سبيل نشر الفساد في الأرض، علماً بأن القوة والثروة كانتا تشكلان دوماً أخطر وسائل الشيطان في إشاعة الفواحش، ونشر الشرك، وتكريس الباطل والبغي والإرهاب.
والمترفون هم عضد المستكبرين في الأرض بغير الحق. فهؤلاء يستخدمون الثروة، وأولئك يستعملون القوة، وهم جميعاً يعيثون في الأرض فساداً، وقد بعث الله رسله ليقاوموا مثل هذه الفئات الكافرة بإذنه. وتعاليم الدين الحنيف هي بمثابة شلّال عظيم من الهدى والعزم والأمل، يستنفر به الدين كل الطاقات لمواجهة فساد المترفين وإرهاب المستكبرين، وإنما تاريخ الرسالات تجسيد لهذا الصراع الكبير والدائب. وإذا استعرضنا فيما يلي بعض الآيات، فليس لأنها الوحيدة في هذا الحقل، بل لأن طبيعة البحث لا تستوعب أكثر من ذلك. ولعلنا نعود إلى بيان المزيد في مناسبة أخرى.
وبكلمة؛ الدين الحنيف هو توحيد الله، والشيطان يريد أن يشرك الناس بالله، والمال أحد أهم وسائله. ولمقاومة الشرك، علينا مقاومة دور المال في إشاعته.
لمواجهة الفساد المالي
لكي نواجه الدور السلبي والمفسد للثروة، لا بد أن نتخلص من تأثيرها على النفس وعلى المجتمع. كيف يتم ذلك؟
نستعرض فيما يلي بعض ما استلهمناه من آيات الذكر في منهج مواجهة الفساد المالي، إبتداءً من مخالفة هوى النفس في حب المال، وإنتهاءً بمحاربة المترفين والمفسدين في الأرض ومقاومة نفوذهم، وإستمراراً مع منع تراكم الثروة وتداولها بين أياد معدودات.
١/ لا بأس أن تحب المال، لأنه زينة الحياة الدنيا، ولكن مع الإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى. تدبر في قول الله سبحانه: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف/ ٤٦)