التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٩ - الرحمة والتراحم
الرحمة والتراحم
بنظرة عرفانية نافذة، يعي الانسان أن الخلق كله تجلّ للرحمة الإلهية؛ وإلّا فلماذا خلق الله الغني سبحانه هذه الكائنات؟ أوليس برحمته التي وسعت كل شيء، وهو القائل:
١/ (إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود/ ١١٩)
لماذا خلقهم؟ ليرحمهم. هكذا نقرأ في الحديث المروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عز وجل: (ولا يَزَالونَ مُخْتَلِفينَ إلّا مَن رَحمَ رَبّك ولذلك خَلقَهُمْ) قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمة الله فيرحمهم. [١]
٢/ وقال ربنا سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (غافر/ ٧)
٣/ وإذا كانت الرحمة هي الفيض والبسط والعطاء، فإن السوء هو الأذى والقبض والافساد. وقد جاءت كلمتا الرحمة والسوء متقابلتين في الآية الكريمة. فالنفس أمارة بالسوء، والله هو الذي يرحم بعض النفوس (فتصبح برحمته كريمة). ولقد جاء في القرآن الكريم: (وَمَآ ابَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (يوسف/ ٥٣)
٤/ ومن يقيه الرب السيئات، فقد رحمه. إذ أن البشر ذلك المخلوق الضعيف، لا يمكنه أن يتقي السيئات بذاته، (بل ذاته من دون رحمة الله مصدر السيئات)، إنما الله تعالى يقيه بفضله
السيئات. قال الله سبحانه: (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (غافر/ ٩)
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ٤٠٤، ح ٢٥١.