التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - جيم رأي الفقه في القاعدة
وأما إذا لم يكن يقدر بمال كمن يهتدي بدعوة شخص الى الدين القويم، فإنه لا جهد المبلغ يقدر بمال عادة ولا إثراء المهتدي.
بلى؛ الخطيب الذي يدعى الى منبر ويتحمل تعب الوصول الى المكان ثم الجهد في إلقاء المحاضرة، يفتقر لحساب أصحاب المجلس الذين يستفيدون منه علماً وهدى. فالإثراء هنا بلا سبب، ويستحق الخطيب منهم أجراً.
جيم: رأي الفقه في القاعدة
ما هو رأي الفقه في هذه القاعدة؟ لكي نستوضح هذا الرأي نذكر النقاط التالية:
أ- إن الله سبحانه قد أمر بالعدل، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان) (النّحل/ ٩٠)
وأمر بالقسط، فقال تعالى: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات/ ٩)
وإذا عرفت العقول (والعرف الاجتماعي السليم) إن هذا من العدل أو من القسط، فعلينا إتباعه. ولاريب إن إثراء شخص على حساب شخص آخر، إنه ظلم وليس بعدل أو بقسط. ففي حدود حكم العقل، بأنه ظلم لا بد أن نرفع الحيف ونعيد العدل. وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ما رأيت نعمة موفورة إلّا وبجانبها حق مضيّع.
والمبدء العام في العقود، هو المبدء المستفاد من قوله سبحانه: (لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (البقرة/ ٢٧٩)
وقد يعرف موضوع العدل والقسط وعدم الظلم من الأنظمة، لأن حقوق الناس على بعضهم تخضع لمقاييس عرفية، والأنظمة الحقوقية تعكس بنسبة معينة تلك المقاييس، وقد استند القانون الى مبدء العدالة حين قرر هذه القاعدة. يقول في ذلك الدكتور سنهوري: فهو (الإثراء بلا سبب) مصدر للالتزام مستقل قائم بذاته، لا يستند الى مصدر آخر ولا يتفرع عنه، وإنما يقوم رأساً على قواعد العدالة والمنطق القانوني. [١]
ب: قاعدة الضرر التي منشؤها حديث مشهور عن النبي صلى الله عليه وآله:" لا ضرر ولا ضرار" يفسر آيات العدالة بوضوح. ومحتوى هذا الحديث ضرورة رفع الضرر أنى كان، وإثراء
[١] الوسيط، ج ١، ص ١١٢١.