التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٨ - باء العصبية القبلية
١١/ وهي التي حذّر منها القرآن المسلمين، فقال الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الانعام/ ١٥٩)
١٢/ وهكذا قال ربنا سبحانه: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم/ ٣٢)
١٣/ إن العصبية الدينية خطيرة جداً، لأنها تتسرب إلى النفس بعيداً عن الرقابة العقلية. فالشخص يعتقد بصحة مذهبه فيؤمن به ثم يتعصب له، وعندما يتعصب لا يدري هل هو يتعصب لدينه الحق أم لنفسه التي تؤمن به، ومع الزمن وعند ضعف الإيمان تراه يتعصب لنفسه ويترك ميزان الإيمان الذي إنما انتمى أولًا الى الدين بسببه، ويرى أن تعصبه هو استقامة على الحق. كذلك يزين له الشيطان عمله- والعياذ بالله- حتى يبلغ المتعصبون درجة يقولون لبعضهم: (وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ انَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الأَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَّا اخْتِلَاقٌ* أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) (ص/ ٦- ٨)
أنظر كيف تواصوا بالكفر بالحق، والصبر على الآلهة المزيفة لمجرد أنهم لم يسمعوا بالدعوة الجديدة، ولمجرد أن الله قد إختار النبي لرسالته ولم يختار أحداً منهم. وهكذا كانت المعايير العاطفية والعصبيات النتنة، هي وراء كفرهم المشين بالحق.
١٤/ ويبدو أن هذه العصبية تساهم في الغلو في الدين، ذلك الذي ينهى عنه ربنا سبحانه حين يقول: (قُل يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّواعَن سَوَآءِ السَّبِيلِ) (المائدة/ ٧٧)
والعصبية الدينية تشمل الطائفية التي ابتليت بها الأمم التابعة للديانات الإلهية لذات العلة وفي ذات الاتجاه.
باء: العصبية القبلية
الأعراب في الجاهلية كانوا أشد الناس حمية وعصبية قبلية، إذ لم تكن لهم مفخرة يذكرونها. ويبدو أن معيار إيمانهم كان إنسلاخهم مما اعتادوا عليه من الفخر بالقبلية، إذ قال الله سبحانه: (قَالَتِ الاعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا) (الحجرات/ ١٤)
فالآية هذه نقرأها في سورة الحجرات، التي نهى ربنا سبحانه فيها عن السخرية بالبعض قبل آيتين.