التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٣ - ثانيا وعي الأجل في الانسان
وإذا غرست في بيتك شجرة، فاعلم بأنها كلما كبرت فإنك تصغر بذات النسبة. هناك تحس ماذا يعني إختلاف الليل والنهار، وماذا يعني تقادم الأسابيع والأشهر والسنين.
وكما يقول الإمام علي عليه السلام:" ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر". [١]
٦/ وكما الأفراد، كذلك الأمم تسير نحو آجالها المعلومة. والمدنيات الكبرى ولدت فشبت ثم شاخت فانتهت عندما حان أجلها، وقد قال الله سبحانه: (قُل لآ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ لِكُلِّ امَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلايَسْتَقْدِمُونَ) (يونس/ ٤٩)
ونستوحي من الآية؛ وجود آجال معلومة لكل أمة، كما توجد لكل انسان، ولكن قد تقصر هذه الآجال بسبب الذنوب.
٧/ وقال ربنا سبحانه: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَايَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل/ ٦١)
٨/ ونستوحي من الآية؛ إن فرصة التوبة بالنسبة الى الأمم ليست بلا نهاية. إنها فرصة محدودة بأجل، فإذا جاء نزل عليهم العذاب، ولا تنفعهم التوبة. وقصة قوم يونس فريدة، إذ يقول ربنا سبحانه: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهآ إِيمَانُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس/ ٩٨)
والتدبر في خاتمة الآية يذكرنا بأن إمهال هذه الأمة أيضاً كان الى حين، وليس بلا حدود.
٩/ وقد وعد الله تعالى قوم نوح عليه السلام بأنهم إن آمنوا أخّرهم إلى أجل مسمى، فقال الله سبحانه: (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (نوح/ ٤)
ونستفيد من هذه الآية والتي سبقت؛ إن هناك أجلًا مسمى عند الله، لا علاقة له بايمان الأمم أو كفرهم، كما الأجل المقدر للإنسان إنه لا علاقة له بصحته وسقمه.
بلى؛ أن الأمم قد ينزل عليها عذاب الاستيصال بسبب كفرهم، كما أن الفرد قد يموت بسبب مرض او صدمة أو ما أشبه. والأنبياء عليهم السلام إنما كانوا يحذرون الأمم من عذاب
[١] نهج البلاغة الخطبة ١٨٨؛ المعجم المفهرس ص ٦٧.