التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢١ - ثانيا وعي الأجل في الانسان
إنصرم من عمره عام. ثم ليعلم الانسان الحساب من يوم لآخر، فيضبط حياته. قال الله سبحانه: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ اوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَاوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَاوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الرعد/ ٥)
٢/ ومن فوائد الحساب الذي يعرفه الانسان من حركة الليل والنهار ومن منازل القمر، الإحساس بالمسؤولية. فاذا كان كل شيء بحسبان، كيف يترك البشر سدى بلا حساب؟ قال الله سبحانه: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا* وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً) (الاسراء/ ١٢- ١٣)
٣/ وإذا كانت الشمس والقمر والكواكب ومنها الأرض وما فيها من بحار وجبال ومخلوقات كبيرة أو صغيرة في حالة الصيرورة الى نهايتها، فكيف بالانسان إنه هو الآخر يسير باتجاه أجله. وقد ذكر القرآن الكريم بأن أجل الانسان مقضي عند خلقه، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (الانعام/ ٢)
ونستفيد من ذلك؛ إن هناك صلة بين الخلق والأجل، فالمخلوق قد أوتي من عند الخالق قدراً معيناً من النور (نور الوجود، طاقة الحركة، وما أشبه)، وهذا النور يتناقص الى أن ينتهي.
٤/ وعند بيان طور من أطوار خلقة البشر في الأرحام، يذكرنا الرب بالأجل أيضاً. قال الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الارْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الارْضَ هَامِدَةً فإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج/ ٥)
٥/ وقال ربنا سبحانه: (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ* إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) (المرسلات/ ٢١- ٢٢)
فالقدر الذي خلق به الخلق كله، يشمل البشر أيضاً. إن كل شيء فيه بحسبان (وليست طاقاته وإمكاناته فرصة لا محدودة). ومعنى ذلك، إنه يتناقص؛ ومن كان كذلك، فإنه يسير باتجاه الفناء.
والذين يتأملون هذه الحقيقة، يزدادون وعياً بأهمية الطاقة التي يستنفذونها، وبالذات الزمن الذي يسيرون في تياره. وحسبما يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض روائع حكمته،