التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - أولا القواعد العامة
ومن الأكل بالباطل؛ التعامل على حرام، لأن الحرام ملغي عند الشريعة، وباطل، فكيف يقع عليه العقد؟ مثلًا الشريعة أسقطت الخمرة عن القيمة، فمن باعها وأكل ثمنها، فقد أكل مال غيره بالباطل. وكذلك الميسر حرام، فمن أكل مالًا بازاءه (بيعاً أو إجارة أو رهناً أو ما أشبه) فقد أكل مال الناس بالباطل.
وكذلك التجارة بالأصنام والأزلام، وما يأتي الفساد منه محضاً، وما يأتي منه الشر لا غير، وما فيه ضرر وما لا مالية فيه، إنها جميعاً لحرمتها أكل للمال بالباطل. وفي الآية بصائر نستوحي من التأمل في كلماتها:
١- فالأكل أصلًا معناه التغذية، ويُستخدم في التسلط والإقناء.
٢- ونسبت الأموال الى الجمع، لأن النهي متوجه الى الجمع، وربما للإشارة الى أن المال قد جعل قواماً للحياة الاجتماعية.
٣- ولعل في كلمة (بَيْنَكُم) إشارة الى أن بدعة أكل الأموال لو شاعت لشملت الجميع، أو للإشارة الى أهمية المحافظة على حقوق الأمة المالية أكثر من حقوق الآخرين.
٤- وكلمة (بِالْبَاطِلِ) تدل على حرمة الإحتيال على البعض بأكل المال. وقد فسّر الباطل في الروايات بالقمار، وفي آية كريمة من القرآن بيان له بالإدلاء الى الحكام لأكل فريق من أموال الناس بالإثم.
وهكذا نستوحي حرمة التوسل بكل سبب غير مشروع لأكل الأموال.
٥- وكلمة (إلَّا) الاستثناء، وهي تدل على الفصل بين الجملة السابقة واللاحقة في الحكم، وليس بالضرورة أن تكون الجملة اللاحقة جزءً من السابقة من دونها. فمعناها هنا أن الحرام أكل أموالكم بالباطل، والحلال هو أكلها بالتجارة.
٦- وفي القرآن فصل الخطاب، فالجملة (إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاض) تدل على أن الأصل في التجارة الصحة. فهي مطلقة، لأنها في مقام التشريع.
وسنذكر لاحقاً رواية مفصلة [١] تؤكد هذا الأصل كما سنذكر لاحقاً طائفة من مصاديق أكل المال بالباطل، والتي اعتبرتها بأنها سحت، سوف نتناول بعضاً منها بالذكر باذن الله تعالى.
[١] وهي عبارة عن حديث مفصل في كتاب تحف العقول الذي سيأتي ذكره لاحقاً.