التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٦ - أولا كرامة البشر وحكمة التنوع
إن المعرفة تحمّل الإنسان مسؤولية الاعتراف، فمن عرف شيئاً ثم لم يعترف به فقد أنكره. والاعتراف بالشيء أو بالشخص يعني الاعتراف بوجوده وحقوقه، وتنظيم حياة العارف حسب ذلك الوجود وتلك الحقوق. دعنا نضرب مثلًا؛ لو أنك تعرف أن أمامك شجرة، فإن هذه المعرفة تجعلك تعترف بوجودها فلا تصطدم بها. كذلك لو عرفت أن أمامك إنساناً، فإنك تنظم مسيرتك بحيث لا تصطدم به، وأيضاً تحترمه وتحييه وتستجيب له لو دعاك، وتغيثه لو استغاث بك. وهكذا المعرفة تحمّل صاحبها المسؤولية. والتعارف معرفة متبادلة، واعتراف متبادل، واحترام متبادل؛ وكل أولئك من حكم خلق الانسان وأهدافه.
و- هب أننا اعترفنا ببعضنا واحترمنا بعضنا بعضاً، ثم ماذا؟ يقول ربنا سبحانه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). هنالك عندما نعترف ببعضنا ونحترم حقوق بعضنا يبدء التنافس على الخيرات، والتسابق نحو تحقيق التطلعات الحياتية والمعنوية. وعند هذه النقطة تكتمل حكمة الاختلاف والتنوع، ووجود الشعوب والقبائل. أرأيت لو كان في بلد فريق كرة قدم واحد، أو يمكن ان تتقدم رياضة لعب الكرة فيه؟ كذلك لو كانت جامعة واحدة ومصنع للسيارات واحد وتاجر واحد .. إنما بالتعددية والتنافس الإيجابي القائم على أساس اعتراف كل فريق بحق الطرف الآخر في التقدم ضمن الاطار القانوني المرسوم يتقدم الناس جميعاً.
٢/ ويقول ربنا في آية كريمة: (وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ امَّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة/ ٤٨)
٣/ وقال الله سبحانه: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة/ ١٤٨)
وإذا كان الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وإذا كان كل معدن بحاجة الى ما يستخرجه، فإن أداة استخراج معادن الناس التنافس، والهدف هو تكامل البشر الى القمم السامقة.
وقد روي عن أبي عبد الله محمد بن موسى بن الرازي قال: سمعت أبي يقول: قال الرجل للرضا عليه السلام: والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً. فقال: التقوى شرّفهم، وطاعة
الله أخفضهم. فقال له آخر: أنت والله خير الناس. فقال له: لا تحلف يا هذا؛ خير مني من كان أتقى الله تعالى، وأطاع له. والله ما نسخت هذه الآية: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَ