التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - تأملات في الحديث
وجوه الفساد، نظير البيع بالربا أو بيع الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع؛ من صنوف سباع الوحش والطير، أو جلودها، أو الخمر أو شيء من وجوه النجس. فهذا كله حرام محرّم، لأن ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام. وكذلك كل بيع ملهوّ به، وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحق، فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه، إلّا في حال تدعو الضرورة فيه الى ذلك. [١]
تأملات في الحديث
١/ نستفيد من الحديث؛ إن الأصل في التجارات الحلية، مادامت مفيدة للناس، وصلاح لهم من أسباب معيشتهم. وواضح إن الناس لا يقدمون على تجارة إلّا إذا كان فيها منفعة لهم، وإنما المنافع التي حرمها الشرع مستثناة منها.
وهذا الأصل هو الذي تقتضيه القواعد الشرعية الأخرى، مثل قوله سبحانه: (أُوْفُوا بِالعُقُودْ)، وقوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ الطَّيِّبَات) وكذلك الحديث المروي عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام، قال: كل شيء لك حلال حتى تعلمه أنه حرام. [٢] وما أشبه.
وهكذا إذا تشابهت قضية ولم نعرف وجه الحلية فيها عن وجه الحرمة، فالأصل فيها الحلية.
٢/ وجاء في تعبير متشابه في الحديث، حيث نجد قوله عليه السلام:" وكل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كلّه حلال". وفي موضع آخر نجد قوله عليه السلام:" أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا .. (إلى قوله عليه السلام) فهذا كله حرام محرم".
والسؤال: إذا كان هناك شيء فيه وجه من وجوه الصلاح ووجه من وجوه الفساد، كما النجاسة التي يستفاد منها في غرض عقلائي صحيح؛ كالدم المسفوح إذا استخدم للتسميد، فهل هذا حلال أم حرام؟
وهذه الملاحظة قد سبق وأن طرحها المحقق الايرواني، فأجاب عنها آية الله المنتظري بالقول: الظاهر من الرواية الحكم على الشيء بلحاظ الأثر الغالب المترقب منه عند العقلاء، والمصرف
[١] وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٥٥- ٥٦.
[٢] المصدر، ص ٦٠، ح ٤.