التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٩ - أولا وعي الأجل في الكائنات
أ- إن الزمان (ستة أيام) ظرف الخلقة، وباعتبار أن الربوبية توحي بتنمية الشيء طوراً فطوراً، فإن الله أعطى السماوات والأرض كمالها في عرض ستة أيام، وعلى إمتداد هذا الزمان.
ب- إن الله كان متصفاً بصفة الخالقية إذ لا مخلوق، ثم خلق الأشياء فتجلّت خالقيته في خلقه. كما أنه كان متصفاً بصفة العلم إذ لا معلوم، فلما خلق المعلوم وقع علمه عليه دون أن يتغير هو شيئاً، سبحانه وتعالى عن صفة المخلوقين.
ولعل ذلك معنى لفظة (ثُمَّ) إذ دخل على فعل استوى على العرش، إذ قدرته سبحانه وسلطانه وخالقيته تجلت بعد خلقه السماوات والأرض وظهرت فيهما. ولعل ذلك أيضاً معنى (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ) حسبما ورد هذا النص في آية أخرى إذ قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ ايُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَآ إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) (هود/ ٧)
ج- نستفيد من قوله (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) إن حركة الليل والنهار هي من فعل الرب. فهو الذي يضفي على ظلام الليل نور النهار، فكأنه يلبسه رداءً أو إهاباً ثم ينزع منه الرداء، فإذا بالظلام يعود ويسلخ منه الإهاب (إهاب النهار) فيصبح عارياً من النور.
من هنا فإن تعاقب الليل والنهار (وهما وحدتا الزمان عندنا)، هو من فعل الرب، ودليل قدرته.
٢/ كما خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكما هو يغشي الليل النهار، فهو مهيمن على خلقه، فله أمره، وأنه يمنحه بركته ورحمته. وأنت الانسان المخلوق تحيط بك بركة الرب ورحمته، فإذاً أطلب منه ما تشاء تضرعاً وخفية، حيث قال سبحانه: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَلا تُفْسِدُوا فِي الارْضِ بَعْدَ اصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الاعراف/ ٥٥- ٥٦)
فالزمان بالنسبة إليك فرصة تلقي رحمة الله، وظرف تجلي بركته فيك. وإنما بالدعاء تستدر الرحمة، وتستنزل البركة؛ شريطة أن يكون دعاؤك بضراعة وانقطاع إليه وبلا رياء، وأن يكون خوفاً من إنقطاع رحمته وطمعاً في زيادتها.
٣/ ومن حقائق بركة الله في خلقه، أنه سبحانه قدر في الأرض أقواتها في أربعة أيام. قال الله تعالى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ اقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِلسَّآئِلِينَ) (فصلت/ ١٠)