التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٧ - باء التوكل على الله سلم الطموح
١/ ومن بين صفات الرب وأسمائه الحسنى التي تزيد قوة الإنسان وثقته بنفسه حب الله سبحانه للمتوكلين عليه، حيث يقول تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران/ ١٥٩)
٢/ وان من توكل عليه فهو حسبه. قال الله تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق/ ٣)
٣/ إن قدرات البشر كبيرة، لأنه بالاضافة الى ذخائر القوة المادية والعلمية الهائلة التي أودعها الله سبحانه عنده، والتي بها يسخر ما في الخليقة من أحياء أو أشياء؛ بالاضافة الى ذلك، فانه سبحانه قد وعده الاستجابة إذا دعاه، وبذلك يسخر المزيد من الكائنات له بقدرته المهيمنة على كل شيء. ولكن الاستفادة من هذه الطاقات الهائلة جداً بحاجة الى عزم وإرادة من عنده، وهذا العزم بحاجة الى إندفاع داخلي، والى ارتفاع الموانع المحتملة. والمشكلة تكمن هنا بالذات، حيث إن ابليس لا يدع ابن آدم يعقد العزم على تفجير طاقته؛ أما بالوسوسة والتشكيك في إمكاناته، وإما باثارة الخوف من الانطلاق، أو بالتسويف، أو بما أشبه ذلك مما نفصل الحديث عنه إن شاء الله لاحقاً .. فكيف نتغلب على مكر الشيطان، ونمضي قدماً في عقد العزم؟
إنما بالتوكل، ذلك لأن لحظة إتخاذ القرار لحظة حاسمة جداً، حيث إن الشياطين تتراكم على القلب وتنفث فيه يمنة ويساراً، وفي تلك اللحظة يؤدي التوكل على الله دور سفينة النجاة في بحر الوساوس. فلو إتصل القلب بنور الرب، واستمد منه القوة والعزم، ووثق بعونه ونصره، وقال: (ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلّا بالله)، تنقشع عن نفسه سحب الوساوس، ويمضي قدماً في عزمه، ويفجر طاقاته، ويضيف إليها المزيد من الطاقة من فضل ربه.
تعال لنضرب مثلًا؛ فرعون تسلط على بني اسرائيل واستضعفهم وقمعهم بكل وسيلة، فجاءهم النبي موسى عليه السلام برسالة الخلاص. ولكن البلاء استمر ووصلوا الى نقطة حرجة وكادوا ينهارون، فماذا حصل؟ يبين القرآن الكريم القصة بايجاز: (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الارْضِ وَيَذَرَكَ وءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ* قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الارْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الاعراف/ ١٢٧- ١٢٨)