التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٠ - ألف التجارة عن تراض
ولأن الحياة متغيرة، ولأن حاجات البشر الاقتصادية متطورة، فقد يجد الفقهاء العارفون بأصول التشريع الحاجة الماسة الى سن أنظمة جديدة لإقامة القسط ومنع الإختلاف؛ مثلًا التوقيع وبصم الأصابع ولصق الصور وحفظ الوثائق وتكثيرها، وسائر ما يستخدم اليوم للاثبات من أدلة قد تصبح ضرورية في العقود الهامة، منعاً للتلاعب ونشراً للعدالة.
وانما يضع الفقهاء شروطاً جديدة للمعاملات إذا علموا أو شهد الجزاء بضرورتها الأكيدة، وبأنه لولاها لانتشرت الفوضى ولفسدت الحياة الاجتماعية، وإلّا فإن زيادة الأنظمة قد تكون سبباً لتعقيد الحياة وزيادة التكاليف، مما يتنافى والشريعة السمحاء.
كما أن على الفقهاء بذل المزيد من الجهد في سبيل استجلاء المصاديق الخفية للعناوين الشرعية وتطبيق العناوين عليها، ذلك لأن بعض هذه المصاديق يصعب تطبيق التعاريف الفقهية للعقود الشائعة عليها؛ مثل حق الخلو، وعقود التأمين، وبعض المعاملات البنكية.
وفيما يلي نبحث بإذن الله فقه الآيات حسب الترتيب الآنف، على أن نلحق بالبحث بعض القضايا التي لا تدخل في الأطر السابقة، ونبدأ بالتأمل في آية التجارة عن تراض التي يبدو لي أنها أصل محكم في باب العقود، ولذلك ترانا نفصل الحديث عنها ثم نتحدث عن آية الوفاء بالعقود.
ألف: التجارة عن تراض
قال الله سبحانه وتعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء/ ٢٩)؛ التراضي يختلف عن الرضا المشترك، فكل واحد منا راضي بأن يكون اليوم جمعة، ولكن لا يرتبط رضا أحدنا بالآخر في هذا الأمر. بينما التراضي هو إبتناء رضا طرف على رضا الطرف الآخر، وهو الذي يسميه فقه القانون بالتباني. فلولا رضاي بدفع الثمن، لا يرضى البائع بدفع البضاعة إليَّ، وإنما رضي باعطاء البضاعة بناء على رضاي بدفع الثمن إليه.
وهذا هو أحد معاني العقد؛ فانعقاد رضاي برضاه وتباني إرادتي على إرادته، هو المعنى الشائع لكلمة العقد في الفقه. والذي يختلف عن معنى الايقاع، وهو الالتزام من طرف واحد، كابراء ذمة احد من الدَين الذي عليه، فقد يتم حتى من دون علمه بذلك.
وللتراضي أو العقد أركان نفصل القول فيها بالرغم من وضوحها، وذلك لكي نرتب عليها جملة أحكام شرعية.