التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٣ - باء التوافق على الجريمة عذر الشرع
ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً* وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً) (النساء/ ١١٤- ١١٥)
ونستوحي من الآية الثانية؛ إن هدف المنافقين من التناجي كان الابتعاد عن القيادة الربانية، وعن سبيل المؤمنين بها، والتوجه تلقاء ولائج غير ايمانية. وفي آية سنتلوها إن شاء الله تذكير بهدف النجوى عند البعض، وهو معصية الرسول والعدوان والإثم. وهذه الحقائق هي: الصدقة (مقابل الإثم)، والمعروف (مقابل العدوان)، والإصلاح (مقابل معصية الرسول).
٢/ وقد ذكرتنا آية في سورة المجادلة التي بيّنت حقائق عن النجوى، ذكرتنا بأنه ليست هناك أية بقعة في العالم يمكن التناجي فيها بعيداً عن سمع الله ونظره، والله سبحانه هو المدبر للخلق، وهو القائم بالقسط. قال الله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ انَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلآ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة/ ٧)
إذاً ينبغي للمؤمن أن يراقب نفسه، وأن يتقي الله في الخلأ؛ فإذا انعقدت جلسة لمجموعة مشتركة في الرؤى والمصالح (مثل حزب أو جمعية أو هيئة)، فعليهم أن يعلموا أن الله سبحانه محيط من ورائهم، فلا يخوضوا فيما يتوافقون عليه بلا رادع ولا حدود.
٣/ لقد نهى المؤمنون عن النجوى. والذين لم يستجيبوا للنهي هم المنافقون، وربما بعض ضعفاء النفوس من المؤمنين الذين استرسلوا في النجوى لتحقيق ثلاث غايات سيئة؛ أولًا: الإثم الذي يتحقق فيه مصالحهم المادية ويتجاوزون به حدود الله سبحانه. ثانياً: العدوان الذي يثير فيهم حب الرئاسة والتسلط على الناس. ثالثاً: معصية الرسول التي يتحقق بها الانشقاق عن القيادة. قال الله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (المجادلة/ ٨)
وجاء في بعض التفاسير حديث عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما هذه النجوى، ألم تنهوا عن النجوى؟ فقلنا: تبنا الى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيخ يعني الدجال- خوفاً منه. فقال: ألا