التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣ - فقه الآيات
فقه الآيات
إذا كانت حكمة القسط هي الهدف الأمثل من المال والملكية، فإن القيام (وتنظيم الحياة الاجتماعية على أساس القسط) جانب من تلك الحكمة العامة. فلو خالفت الملكية إقامة القسط وصلاح المجتمع، وأصبحت أداة بغي وإستكبار، ووسيلة نشر الفساد، فإنها تحدد.
ولذلك جاء في الحديث النبوي الشريف، إنه" لا ضرر ولا ضرار". [١] ولأن الضرر الناشئ من الملكية (مثل ملكية ذلك الرجل لنخلة في بيت الأنصاري) يخالف حكمة الملكية، جاز للأنصاري أن يقطع نخلة ذلك الرجل وأن يرمي بها وجهه. وقد إستفاد الفقهاء فروعاً كثيرة من هذا الحديث الشريف، وترجع تلك الفروع عند التدبر فيها الى تحكيم كلمة القسط في القضايا المالية. فاذا أضر إستخدام شخص لحق من حقوق الملكية بالآخرين حددت ملكيته.
والأمثلة الفقهية الكثيرة لتحديد الملكية أو إنتزاعها، يمكن أن تفهم في إطار هذه الحكمة العليا (القسط)، والذي به صلاح الناس. فتصبح رؤيتنا لهذه الحكمة أجلى وأصفى، فنستطيع أن نفرع عليها فروعاً جديدة في المسائل المستحدثة. والذي يجمع حكمة المال وفروعاً كثيرة من أحكامه، الحديث الشريف الذي يعتبر من المحكمات، التي لابد أن نرجع إليها سائر الفروع المتشابهة. والحديث يوضح أبعاد حكمة المال (الملكية)، وهي تحقيق قوام المجتمع وصلاحه، وتجنب ما ينتهي إليه فساده.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه سئل عن معائش العباد، فقال: جميع المعائش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم ممّا يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات، ويكون منها حلال من جهة، حرام من جهة. فأول هذه الجهات الأربعة؛ الولاية، ثم التجارة، ثم الصناعات تكون حلالًا من جهة حراماً من جهة، ثم الاجارات. والفرض من الله تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، والعمل بذلك الحلال منها، وإجتناب جهات الحرام منها. فاحدى الجهتين من الولاية؛ ولاية ولاة العدل الذين أمر الله بولايتهم على الناس، والجهة الأخرى ولاية ولاة الجور. فوجه الحلال من الولاية، ولاية الوالي العادل، وولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل بلا زيادة ولا نقصان. فالولاية له والعمل معه ومعونته وتقويته حلال محلّل. وأما وجه الحرام من الولاية، فولاية الوالي الجائر وولاية ولاته. فالعمل لهم والكسب معهم بجهة
[١] ميزان الحكمة، ج ٥، ص ٤٩٢، ح ١٠٧١٧.