التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢ - ألف/ آفاق المسؤولية
وآيات القرآن الكريم ذكرتنا بالكثير من البصائر في قبح تقليد الآباء إن لم ينتفعوا في حياتهم بعقولهم أو بهدى ربهم. قال الله تعالى: (وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ انْزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَايَهْتَدُونَ) (البقرة/ ١٧٠).
ثالثاً: السلطة ليست قدراً على الإنسان مقدوراً، ولا يمكن أن يحمل الإنسان وزر واقعه السيء عليها، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. ولو تبصّر الناس هذه الحقيقة لتحدوا السلطات الفاسدة، وفكّوا عن أنفسهم الأغلال التي يضعها المستكبرون عليهم، وتحرروا من إصر تقديسهم وهيبتهم وخشيتهم، ولما استرسلوا مع مفاسدهم قائلين إنا لكم تبع.
كلًا؛ ليس إتباعك لهم عذراً كافياً لك أمام الله، ولن ينفعك هذا التبرير يوم القيامة، وإنك لمسؤول يومئذ عن أعمالك التي إتبعت فيها الكبراء والقيادات غير الشرعية. وقد قص علينا ربنا سبحانه في كتابه المجيد كيف حاول التابعون إلقاء المسؤولية على المتبوعين، فتبرء هؤلاء منهم. قال الله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوْا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ انَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة/ ١٦٦- ١٦٧)
وقال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (العنكبوت/ ١٢
(من هنا فإن واجب الإنسان الاحساس بالاستقلال التام عن الحالة السياسية الحاكمة على مجتمعه، وعدم إلقاء مسؤولية قراراته ومواقفه وأفعاله عليها .. بل يحتمل مسؤوليته بنفسه مستبصراً بهدى العقل والوحي. وهذه هي روح التحدي ضد الظلم والاستكبار والتبعية.
رابعاً: كثيراً ما يلقي الناس مسؤولية أفعالهم على المجتمع والتيارات السائدة فيه، فيقول أنا مع الناس. ولكن الله سبحانه لا يعذر الناس باتباع مجتمعهم، بل يأمر المؤمنين بتحدي قومهم إن هم ضلوا السبيل. ويضرب المثل من النبي إبراهيم عليه السلام والذين معه، حينما تبرأوا من قومهم، مبيناً انه حتى الأرحام الأقربين لن يغنوا عنهم من الله شيئاً. قال الله سبحانه: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلآ أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ