التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - أولا ضوابط الولاية الفطرية
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) (الاسراء/ ٣٣)
وهكذا نهى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عشيرته من بني عبد المطلب من أن يقتلوا الناس ثأراً لشهادته، وقال لهم: يا بني عبد المطلب؛ لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلّا قاتلي .. [١]
وهكذا ينبغي أن تحدد ولاية الإنسان لأقربائه في حدود الشريعة، ويتجنب الإنسان العصبية التي تعني إعانة الفرد قومه على الظلم، حسب رواية مأثورة عن الزهري قال: سئل الإمام علي بن الحسين عليهما السلام عن العصبية، فقال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم. [٢]
وهكذا حدّد القرآن الكريم ولاية أولي الأرحام بحدود ولاية الله والرسول والمؤمنين، وذلك حين ذكر أولًا بولاية الله والرسول والمؤمنين ثم بولايتهم. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَاوْلَئِكَ مِنكُمْ وأُوْلُواْ الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الانفال/ ٧٥)
وجعل القرآن الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، مما يعني أنه أولى بهم من أقاربهم، فولايته أسبق من ولايتهم. قال الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (الاحزاب/ ٦)
وولاية الله ورسوله تتجلى اليوم في أن تحكم الناس شريعة الله. فكل ولاية خارجة عن إطار أحكام الشريعة، لابد أن تحدد بها وتتأطر بحدودها، وإلّا فهي لاغية وباطلة.
وهذه البصيرة تؤسس أصل المساواة أمام الشريعة (القانون) في المجتمع الاسلامي، ولا يجوز المحاباة في تطبيق أحكام الدين بسبب قرابة أو جاه أو ثروة وما أشبه.
وقد جاء في الأحاديث التالية التأكيد على هذه البصيرة.
[١] نهج البلاغة، كتاب ٤٧.
[٢] وسائل الشيعة، ج ١١، ص ٢٩٨، ح ٧.