التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٥ - فقه الآيات
٤/ علينا أن نختار الوقت كلما تعارض مع سائر الأشياء ذات القيمة. فادفع مالًا أكثر لتحصل على الوقت، فان المال يعوّض والوقت لا يعوّض.
٥/ ليس الدين نظاماً شمولياً ذا بعدٍ واحد؛ لا في السياسة، ولا في الإقتصاد، ولا في أي حقل من حقول الحياة، بل هو النظام الأكثر تعددية وتنافسية. فهو يؤمن بتنوع الشعوب والقبائل ليتعارفوا، ويعترف بتعدد الأديان والمذاهب ليبلو بعضهم ببعض (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)، ويقر باختلاف الألوان والألسنة (الأذواق ومناهج التفكير)، ويستوعب الاقتصاد الحر القائم على التنافس على الخيرات، ويشجع الاستباق في العمل الديني بين الفئات المختلفة.
وهذا النظام هو الأكثر واقعية، والأقدر على توحيد الأمم، والأقرب الى كرامة البشر التي تتنافى مع الفرض والقهر واستلاب الحريات.
من هنا نجد إن حرية الاختيار في المسائل الأهم كالدين مكفولة (لآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة/ ٢٥٦)، فكيف بحرية الإنتخاب في المسائل المهمة (كالسكن والإقامة والانتماء السياسي، والعمل الاقتصادي)؟ وهكذا يجب علينا أن نعيد النظر في كثير من مفردات الأنظمة والعادات التي فرضت على المسلمين في عهود مضت، إما بسبب رؤية خاطئة الى الدين في عصور التخلف، أو بسبب ميل حكومات الجور وجماعات الضغط السياسية والاقتصادية الى الشمولية.
بلى؛ إن الشمولية مخالفة صراحة مع الكرامة والحرمة (الحرية) والاختلاف (التعددية).
وفيما يلي طائفة من الأمثلة نسوقها في نفي الشمولية، وذلك بهدف بلورة الرؤية فقط، أما التفصيل فلا بد من دراسته عبر بحوث مطوّلة.
أ- الإسلام يؤمّن حرية المعرفة والثقافة، وقد أمر الله سبحانه بالجدال بالتي هي أحسن، وبشّر عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأمر بالنظر والعقل والتفكير، ونهى عن الإكراه على الإيمان. ومن هنا نشأت في ظل الدين جامعات علمية شامخة، كان البحث الحرّ قاعدة أساسية فيها. وجاءت لحظة النكد في الدولة الإسلامية واقتضت الإرهاب وقمع الأحرار وفرض آراء خاصة في العقائد والفقه والأخلاق. ولكن مع ذلك كانت هناك معاهد علمية مارست، ولو بخفاء دورها في البحث الحرّ، والتي تجسدت في الحوزات الدينية التي بالرغم من محدودية أنشطتها بسبب الظروف المعاكسة، إلّا أنها ظلت تمارس عملية الاستنباط، فاتحة أبواب الاجتهاد على مصراعيها.