التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٦ - ألف العصبية الدينية والطائفية
في قلوبكم من نيران العصبية، واعتقاد الجاهلية؛ وإنما تلك الحمية يكون في المسلم من خطوات الشيطان ونخواته ونزغاته ونفثاته". [١]
خامساً: صور من العصبية
ألف: العصبية الدينية والطائفية
العقل يهدينا إلى الإيمان بالحق، وأن ندور معه أينما دار. والعصبية تدعونا إلى الدفاع عن الذات، وما يتصل بالذات؛ حقاً كان أم باطلًا. يبقى الإنسان بينهما خاضعاً لامتحان صعب، إذ قد يكون انتماؤه إلى دين أو مذهب حقاً، ولكنه يغالي فيه فيصبح باطلًا ويزيغ قلبه، إذ الحق قد يكون في يوم شيئاً وفي يوم آخر شيئاً آخر. أرأيت شرائع الله كيف نسخ بعضها بعضاً، فبقيت طائفة من الناس متمسكين بالشريعة المنسوخة تعصباً لها وليس إيماناً بالحق؟
ومن هنا فإن التمسك بالحق والاستقامة عليه، يختلف عن التعصب للنفس ولما تمسك الإنسان به سابقاً، حتى ولو خالف الحق. وإليك مثلًا آخر؛ مادام الإيمان يكون بالحق، فلا فرق- عند المؤمن- بين أن يكون الحق لديه أم لدى غيره. ولكن إذا كان محور الانتماء الذات، فإن الحق إذا كان عنده أو نزل عليه آمن به، وإذا أنزل على غيره كفر به. وهكذا تراه يؤمن بنبي ويكفر بآخر، ويؤمن بكتاب ويكفر بآخر. وهكذا إنه إذاً يتبع العصبية الجاهلية، وليس الحق. من هنا أمر الله بالإيمان بالأنبياء جميعاً، وألّا يفرق المؤمن بينهم.
١/ قال الله سبحانه: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ انْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كَلٌّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة/ ٢٨٥)
٢/ وقال الله سبحانه: (هَآ أَنْتُمْ اوْلآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ اْلأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران/ ١١٩)
٣/ وقد أعلن كتاب ربنا سبحانه، أن المعيار عنده تعالى هو الحق المتمثل في الإيمان والعمل الصالح، بعيداً عن الانتماء الشكلي، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٧٣.