التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٤ - رابعا نبذ الحمية الجاهلية
هكذا نستوحي من الآيات القرآنية؛ إن من سبق إلى أرض فعمّرها واستوطنها فهو أحق بها، وعليه أن يدافع عنها إذا اعتدي عليها. أما إذا أخرج منها بغير حق، فله أن يحارب حتى يعود إليها. ولكن هذا الحق لا بد أن يكون ضمن إطار القيم المثلى، وليس حقاً مطلقاً.
من هنا فلا يجوز ان يمنع من استوطن أرضاً واستعمرها واتخذها بلداً دائماً له أو ورثها من آبائه الذين استوطنوها، لا يجوز له أن يمنع عباد الله إذا أرادوا أن ينتفعوا بخيراتها المباحة دون أن يلحقوا ضرراً بمن استوطنها من قبل، ولا أن يزاحموه فيها. وكذلك إذا هاجر إليها من اضطر إلى الهجرة إليها، فللمهاجر حق فيها. وإذا استولى على هذه الأرض (الوطن) جبار لا يقاوم، فلا بد من تركها والهجرة الى حيث يمكن للانسان أن يعبد فيه ربه، ويعيش آمناً من الظلم والطغيان.
رابعاً: نبذ الحمية الجاهلية
لكي تسمو الحياة البشرية إلى مستوى الكرامة، وتأصيل إنسانية الإنسان بما يقتضي من احترام حقوق الناس جميعاً وإنصافهم، بعيداً عن كل تمييز، لا بد من رفض العصبيات إلا ما كانت في إطار الحق والعدل.
وفي مجتمع تحكمه الحمية الجاهلية، لا يمكن إقامة العدل وتحكيم شرائع الدين. وقد قال الله سبحانه: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَانزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الفتح/ ٢٦)
ونستفيد من الآية بصيرة هامة؛ هي أن الحمية الجاهلية ضد كلمة التقوى، وإن المؤمن يسكن قلبه بالتقوى فلا يظلم أحداً تعصباً لقومه أو حزبه، وإنما يقيم القسط ويشهد لله ولو على أقرب الناس إليه رحماً أو صداقة أو نفعاً.
وقد أوضحت أحاديث النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام معنى العصبية ومدى خطورتها. فأما عن معناها فقد ورد عن معمر عن الزهري قال: سأل علي بن الحسين (الإمام السجاد) عليه السلام عن العصبية، فقال:" العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً عن خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم". [١]
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٧٣.