التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥ - باء/ أحكام المسؤولية
الجدي من قبلهم، فانهم ينسابون فيها، وقد يضلون السبيل ضلالًا بعيداً.
وهكذا ينبغي أن تكون علاقة الإنسان مع محيطه وبيئته، علاقة حذرة قائمة على أساس الاستماع الناقد، الذي يقول عنه سبحانه: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الالْبَابِ) (الزمر/ ١٧- ١٨)
الوحي الذي يتجلى في هدى الله، والعقل الذي هو هبة الله لأولي الألباب، إنهما معيارا تقييم عباد الله في إستماعهم للقول إستماعاً جيداً، ووعيهم للأحسن ثم إتباعه. وأول شرط هذا المستوى من الوعي إجتناب الطاغوت، والذي يتمثل في تحدي ثقافته وسلطته، وتجاوز هيبته وخشيته، والاستقلال الثقافي عن مصادر توجيهه. إن إجتناب الطاغوت هو التجلي الأمثل للمسؤولية، ومظهر الطاغوت هو السلطان الظالم، أما مخبره فهو مجتمع فاسد وثقافة سلطوية فاسدة.
ومن هنا فقد جاء في الحديث الشريف: عن الفضل، عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام قال: قال لي: أبلغ خيراً وقل خيراً، ولا تكونن إمّعة. قال: وما الإمّعة؟ قال: لا تقولن أنا مع الناس، وأنا كواحد من الناس. [١]
وجاء في حديث آخر عن النبي عيسى عليه السلام: كونوا نقاد الكلام. [٢]
رابعاً: هناك بعض الأحكام الفقهية الأخرى التي تتصل بالمسؤولية الفردية، نذكر فيما يلي نماذج منها:
أ- يحرم في الإسلام العقاب الجمعي، سواءً في الحرب أو في السلم. فلا يجوز إستخدام أسلحة الدمار الشامل إلّا في ظروف إستثنائية، وقد فصلنا القول في ذلك في كتاب الجهاد في الجزء السابع؛ كما يحرم قتل الصبيان والمجانين في الحرب.
ب- إذا إجتمع السبب والمباشر، وكان المباشر ذا مسؤولية، فإنه يكون المسؤول الأول. مثلًا إذا حفر أحدهم بئراً، ثم دفع الآخر الثالث فيها فمات، فإن المسؤول هو الدافع.
ج- وكذلك لا يقتص من المرأة الحامل إذا كانت جانية، حتى ولو تجدد حملها بعد الجناية. وحتى بعد الولادة، فإن هناك قولًا بضرورة الصبر حتى يستقل الولد قبل القصاص منها. قال
[١] بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢١، ح ٦٢.
[٢] المصدر، ص ٩٦، ح ٣٩.