التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١ - ألف/ آفاق المسؤولية
الظروف المحيطة به، ومقتضيات أهدافه التي يكتشفها بعقله. فتراه- يومئذ- يتحدى الأغلال التي عليه.
أولًا: يتحدى الطبيعة، لأنها ليست قدراً عليه مقدوراً. فالفقر والضعف والمرض والتخلف والبرد والحرّ والجفاف والسيول والزلازل والعواصف و .. و .. كلّها قابلة للتطويع ومسخرة للارادة، لأنها لا تزر وازرته، وإنما هو وحده يحمل حمله ويزر وازرته. وهذه بداية إنطلاقة كل حضارة.
ومن هنا جاء في الحديث عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام:" من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله." [١]
وجاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله:" نعم العون على تقوى الله الغنى". [٢]
وأيضاً عنه صلى الله عليه وآله:" الفقر سواد الوجه في الدارين". [٣]
وقد ذكرتنا الآية الكريمة بكل هذه الأبعاد وزيادة، حيث قال ربنا سبحانه: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لَانفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاخِرَةِ لِيَسوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرا) (الاسراء/ ٧) فإنها تشمل الحياة الحسنة التي يكتسبها الصالحون باحسانهم، والحياة السيئة التي تلحق بالفاسدين جزاء إساءتهم.
ثانياً: ولأنه يشعر بالمسؤولية، فإن قدره لا يكتبه السابقون من آبائه وأسلافه. كلّا؛ أوليست تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، فلماذا الاسترسال مع الماضي الذي قد لا يكون خيراً كله، وقد يكون تغييره ضرورة حياتية ..؟ ولا يجوز تبرير بقاءه على الفساد بأنه كان من التراث أو من فعل الأولين. فقد روي عن معمر بن خلاد قال: فإنَّ أبا الحسن عليه السلام اشترى داراً وأمر مولى له يتحول إليها، وقال: إنّ منزلك ضيق، فقال: أجزأت هذه الدار لأبي. فقال أبو الحسن عليه السلام: إن كان أبوك أحمق، ينبغي أن تكون مثله؟! [٤]
[١] بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٦٥، ح ١٠.
[٢] المصدر، ج ٧٤، ص ١٥٣، ح ١١٦.
[٣] المصدر، ج ٦٩، ص ٣٠.
[٤] المصدر، ج ٧٣، ص ١٥٣.