التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - ثانيا توافق الإرادتين
حكم الشرع ورأي العرف؛ مثلًا عقد على أساس أن المهر الغائب ليس واجباً عليه شرعاً وإنما هو نوع من التشريفات الظاهرية، أو زعم إن تكاليف الوليمة على أهل المرأة عرفاً، بينما الصحيح هو أن المهر لازم سواءً كان غائباً أو حاضراً، وإن تكاليف الوليمة عند العرف على الزوج. فلو سألنا الرجل هل كان قصدك من عدم وجوب المهر الغائب أنك تخالف ما يوجبه الشرع؟ قال: كلا؛ وكذلك نفى أن يكون مخالفاً لما يجري عليه العرف. ففي مثل هذه الحالة، المعيار هو رضاه الواقعي المطابق للشرع والعرف، وليس خطأه في التطبيق. [١]
٧/ ومن حقائق هذا المعيار (التراضي) تمييز الركن الأساسي في العقد عن غيره؛ وبتعبير آخر معرفة سلم الأولويات عند المتعاقدين، إذ يختلف الناس في أولوياتهم. فلو إشترى أحدهم كتاباً بزعم أنه بخط مؤلفه بينما كان بخط غيره، فإن هدفه الأساسي من شراء الكتاب مثلًا تحقيق الكتاب والذي لا يمكن إلّا أن يكون بخط مؤلفه، فإن العقد يصبح باطلًا، لأن ما اشترطه كان أساسياً عنده. أما لو لم يكن ذلك مهماً عنده، فالأمر مختلف.
وهكذا التوافق هو أساس العقد، وجوهره الرضا، ورضا الناس مختلف. ولعل هذا المعيار ينفعنا في معرفة مدى تأثير الشرط الفاسد في إفساد العقد. فإن كان الشرط جوهرياً عند المتعاقدين، أفسد العقد وإلّا فلا؛ فمثلًا لو كان هدف دكتور في الطب أن يتزوج دكتورة لتساعده في إدارة مستشفى، فاقدم على إمرأة واشترط أن تكون طبيبة، فلما عقد عليها عرف أنها ليست كذلك، فإن الشرط هنا عنده أساسي، حيث إنه لم يقدم عليها إلّا لذلك. فاذا افترضنا فساد شرطه كأن اشترط أن تكون المرأة راقصة وأرادها لإدارة مرقص أو بار، وكان ذلك فقط هدف العقد، فان فساد الشرط مبطل للعقد.
ومن هنا قال الشيخ الأنصاري (ره): إن القيود المأخوذة في المطلوبات العرفية والشرعية (قسمان: ركن وغير ركن) ما هو ركن المطلوب ككون المبيع حيواناً ناطقاً (أي انساناً) لا ناهقاً حماراً. ومطلوب الشارع كالغسل من أجل الزيارة، فإن العرف يحكم في هذه الأمثلة بانتفاء المطلوب لانتفاء هذه القيود. [٢]
٨/ ومن مصاديق هذا المعيار وجوب الوفاء بالشروط الضمنية التي بني العقد عليها، وتم التراضي
[١] راجع الفقه الاسلامي، ص ٢٠٨.
[٢] الفقه الاسلامي، ص ٢٠٩.