التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٤ - ثانيا توافق الإرادتين
العقد تراضي المتعاقدين، ولأن رضاهما ينطلق من عرفهما، فهو مقدم. وكلما كان العرف أقرب اليها كان أولى عندهما؛ مثلًا إذا كان كيل السوق الذي يتعامل فيها المتعاقدان يختلف عن كيل البلد أو ميزان البلد يختلف عن ميزان الدولة، فإن كيل السوق أو البلد مقدمان، وهكذا في النقد وفي شرائط البيع، وصفات المبيع وما أشبه ..
٥/ لأن المعيار هو التراضي، والرضا أمر قلبي، فان معيار العقد هو الرضا الواقعي، وليس ما يجري على اللسان. فإذا إختلف فقال بلسانه شيئاً وقصد بقلبه شيئاً آخر (بالخطأ)، فإن الرضا القلبي إذا عرف يقيناً هو الأصل، لأن التراضي وقع عليه.
وفي هذا الحقل تختلف المدارس القانونية الى ثلاثة؛ فالمدرسة اللاتينية أو الفرنسية تأخذ بالإرادة الحقيقية أو الباطنية ولا تعول على التعبير، أما المدرسة الألمانية فتقف عند المظهر الخارجي فقط فتعتد بالإرادة الظاهرة، وذلك لأن العقد عندها- ظاهرة إجتماعية ولا بد من حمايتها من التزلزل. أما القانون المصري فإنه يتوسط بين المدرستين، فهو يأخذ بالإرادة المعلنة وهي أساساً الإرادة الباطنة بالقدر الذي تكون فيه قد أعلنت للناس. [١]
ويبدو أن الصحيح هو الأخذ في مقام الثبوت بالإرادة الباطنة، وفي مقام الاثبات بالإرادة الظاهرة. وهذا ما بيّناه في كتابنا الفقه الاسلامي. [٢]
ومن هنا قال العلامة النجفي في الجواهر تعليقاً على كلام بعضهم في تقديم عرف الشرع على عرف المتعاقدين، قال: وهو من غرائب الكلام إذا أراد تقديم العرف الشرعي على العرف الخاص للمتعاقدين، ضرورة تبعية عقدهما لقصدهما. [٣]
ويبدو أنه أشار بهذا التعبير- الى الكلمة المعروفة عند الفقهاء" العقود تابعة للقصود" ويساويها الكلمة المعروفة عند فقهاء القانون: العقد شريعة المتعاقدين.
٦/ ومن مصاديق هذا المعيار (معيار التراضي) حكم الاشتباه في التطبيق. فمن أقدم على نكاح فتاة حسب أحكام الشرع ورأي العرف العام وكان جاهلًا بالشرع والعرف، فصرّح بشرط زعم أنه من العرف أو الشرع، فإن الصحيح رضاه الواقعي الذي بنى عليه عقده، وهو
[١] مبادئ القانون للمؤلفين د. همام محمد محمود و د. محمد حسين منصور، الناشر: منشأة المعارف، ص ٢٤٠.
[٢] الفقه الاسلامي للمؤلف، الناشر دار المدرسي، ص ١٨٦.
[٣] جواهر الكلام، ج ٤، ص ١٣٠ (الطبعة الحجرية).