نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٩ - الشرح والتفسير أضواء مهمّة في صفات اللَّه
«بِتَشْعِيرِهِ [١] الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَامَشْعَرَ لَهُ»
، لأنّ وجود الحواس من لوازم المخلوقات الممكنة الوجود ويتنزّه عن ذلك واجب الوجود، أضف إلى ذلك أنّ الحواس من عوارض الموجودات، والعرض والمعروض شيئان مختلفان بينما نعلم أن ليس للتركيب من سبيل إلى ذات اللَّه.
بعبارة أخرى لقد دلّ اللَّه تعالى بخلقه الحواس لعباده أنّ الاحساس والحواس عارضة ومنفصلة عن ذات الأشياء، وهنا فهم العباد أن ليس له حواس لأنّ ذاته ليست محلّاً للعوارض.
ثم قال عليه السلام:
«وبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْامُورِ عُرِفَ أَنْ لَاضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَاقَرِينَ لَهُ»
وتفسير هذا الكلام أنّ وجودين متضادين يكونان قطعاً محدودين ولهما حالتان مختلفتان، والحال الذات الإلهيّة ليست محدودة ولا شيء عارض عليها، كما أنّ الموجودين المقرونين محدودان ولهما عوارض مشابهة بينما الذات الإلهيّة لامحدودة من كلّ الجهات وعارية من كلّ العوارض.
وواصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى بعض المصاديق من الأمور المتضادة فقال:
«ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ [٢]، والْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ [٣]».
طبعاً ينطوي هذا التضاد على فلسفة تتمثل في ايجاد التوازن وإزالة آثار السوء لكلّ شيء بآخر، فلو أشرقت الشمس على جانب من الكرة الأرضيّة دائماً وغط الجانب الآخر منها في ظلمة دائمة لزالت الحياة عاجلًا؛ فالجانب الذي يتعرض إلى الشمس يحترق بفعل شدّة الحرارة ويهلك، كما ينجمد ويزول ذلك الذي يعيش الظلمة: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ» [٤]؛ «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ
[١]. «تشعير» من «شعور» بمعنى العلم والمعرفة وتعني هنا العلم بالشي عن طريق الحواس.
[٢]. «بهمة» بمعنى السواد والليالي الظلماء والمعنى الأوّل هو المطلوب.
[٣]. «صرد» بمعنى البرد وقيل إنّها مفردة فارسية.
[٤]. سورة القصص، الآية ٧١.