نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٩ - الشرح والتفسير أهوال الدنيا
القسم الأوّل
بَعَثَهُ حِينَ لَاعَلَمٌ قَائِمٌ، وَلَا مَنَارٌ سَاطِعٌ، وَلَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ.
أُوصِيكُمْ، عِبَادَاللَّهِ، بِتَقْوَى اللَّهِ، وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص، ومَحَلَّةُ تَنْغِيص، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ، وقَاطِنُهَا بَائِنٌ، تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ، ومِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الأَمْوَاجِ، تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا، وتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَك، ومَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَك!
الشرح والتفسير: أهوال الدنيا
قال الإمام عليه السلام في المقطع الأوّل من هذه الخطبة حيث أراد كشف النقاب عن العصر الذي انطلقت فيه الدعوة النبويّة والمراد به العصر الجاهلي ومن خلال ثلاث عبارات قصيرة:
«بَعَثَهُ حِينَ لَاعَلَمٌ قَائِمٌ، وَلَا مَنَارٌ سَاطِعٌ [١]، وَلَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ».
فالطرق الصحراويّة والجبليّة لم تكن واضحة في الأزمنة السابقة كما هي عليه اليوم، طبعاً الطرق الرئيسيّة كانت معروفة بفعل كثرة التردد عليها والعبور والمرور، غير أنّ الطرق الفرعيّة لم تكن كذلك، وبغية إرشاد المسافرين كي لا يضلوا الطرق كانوا ينصبون في النهار بعض العلامات بصيغة أعمدة وما شابه ذلك في أغلب الطريق منذ بدايتها حتى نهايتها والتي يصطلح عليها ب «العلم» وكانوا يشعلون السراج على سطوحها والتي يصطلح عليها ب «المنار»، وعليه لولا أعلام النهار
[١]. «سطوع» بمعنى الصعود والاتساع والنور الساطع الذي يضيىء ما حوله.