نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٦ - الشرح والتفسير تسع صفات أخرى
«تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلًا زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً [١] أَكْلُهُ، سَهْلًا أَمْرُهُ،
حَرِيزاً [٢] دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً [٣] غَيْظُهُ».
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى قصر الأمل، لأنّ طول الأمل- كما ورد في الروايات- ينسي الآخرة ونسيان الآخرة طامة كبرى تفرز مختلف المعاصي والذنوب.
صحيح أنّ وجود الأمل لدى الإنسان مدعاة للحركة والنشاط، كما جاء في الحديث النبوي الشريف:
«الأَمَلُ رَحْمَةٌ لِامَّتى ولَوْلا الأَمَلُ ما رَضَعَتْ والِدَةٌ وَلَدَها ولا غَرَسَ غارِسٌ شَجَراً» [٤]
. ولكن إن تجاوز هذا الأمل الحد وتبدل إلى أمل طويل فإنّه يدفع جميع قوى الإنسان وأفكاره نحوالدنيا وينسيه كلّ شيء، بل يتعذر حتى على الإنسان في ظلّ هذه الحالة أن يستثمر دنياه.
وإننا لنرى أنّ قلّة زلات المتّقين كونهم يبعدون أنفسهم عن مطبات الذنب وذكرهم الدائم للَّهتبارك وتعالى. وخشوع قلوبهم نتيجة لعرفانهم باللَّه، لأنّ الإنسان كلّما إزداد إدراكه لعظمة المعبود ازداد خضوعه له، وقناعة المتّقين معلولة لسعة افقهم إزاء النعم الماديّة للدنيا ومتاعها وزخرفها، وبما أنّهم يؤمنون بفنائها وزوالها فهم لا يجازفون في السعي للحصول عليها فيقتنعون منها بذلك المقدار اللازم، وقلّة طعامهم لعلمهم بأنّ كثرة الأكل- وبغض النظر عمّا تفرزه من أنواع الأمراض- فإنّها تسلبهم حيوية العبادة ومناجاة اللَّه، أضف إلى ذلك فإنّها تجعلهم يغفلون عن ذكر المعوزين من أهل الفاقة.
وجاء في الحديث عن الإمام عليه السلام في غرر الحكم:
«مَنِ اقْتَصَدَ في أكْلِهِ كَثُرَتْ صِحَّتُهُ وصَلُحَتْ فِكْرَتُهُ».
[١]. «منزور» من مادة «نزر» على وزن «نذر» قليل.
[٢]. «حريز» من مادة «حَرْز» على وزن «قرض» الحفظ و «حريز» الشيء المحفوظ.
[٣]. «مكظوم» من مادة «كظم» على وزن «هضم»، ويقال «مكظوم» للشخص الغاضب والذي يتمالك نفسه.
[٤]. سفينة البحار، ج ١، ص ٣٠، مادة «أمل»؛ بحارالأنوار، ج ٧٤، ص ١٧٣.