نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - الشرح والتفسير معرفة اللَّه الحقيقية
دليل واضح إشارة إلى أنّ آثار عظمته وقدرته وعلمه وحكمته التي ملأت العالم على وجوده؛ الوجود الكائن خلف حجب الغيب وما وراء الطبيعة وجعل كلّ شيء تجلياً لعلمه وقدرته.
وقال في مواصلته لكلامه عليه السلام:
«لَمْ تُحِطْ بِهِ الأَوْهَامُ [١]، بَلْ تَجَلَّى لَهَا [٢] بِهَا، وبِهَا
امْتَنَعَ مِنْهَا، وإِلَيْهَا حَاكَمَهَا».
فالإمام عليه السلام طبق ما ورد أبطل مذهب التعطيل إلى جانب نفي التشبيه؛ أي أنّه حذر من مغبة خطأ أولئك الذين يزعمون أنّهم لا يفهمون من صفات اللَّه تعالى سوى صفاته السلبيّة، إلى جانب أولئك الذين هبطوا باللَّه تعالى إلى درجة الممكنات فقالوا: له صفات محدودة وممكنة، فقد تحدّث من جانب عن تلقي الأذهان وتجلي الصفات ومن جانب آخر عن عدم احاطة الأفكار بالذات القدسيّة وصفاتها وينتج من ذلك أنّ لدينا علماً إجمالياً بالنسبة لذاته وصفاته سبحانه رغم عجزنا عن الاستغراق في تفاصيلها وجزئياتها.
ثم قال عليه السلام:
«لَيْسَ بِذِي كِبَر امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَلَا بِذِي عِظَم تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً؛ بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وعَظُمَ سُلْطَاناً».
إشارة إلى أننا حين نقول:
«اللَّه أكبر»
إنّما يقتدح أحياناً إلى ذهن الأفراد غير المطلعين إلى أنّ أبعاده الوجودية ملأت شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه، وحين نقول:
«اللَّه عظيم»
يتصورون أنّه كذلك بالنسبة لسائر الموجودات كالجبال والبحار والسماوات، والحال ليس لكبره وعظمته من بعد جسمي، بل كبره وعظمته معنوي،
[١]. «أوهام» جمع «وهم» على وزن «فهم» تعني لغوياً ما يخطر على القلب ولكن تشير القرائن إلّاأنّها وردت فيهذه الخطبة وسائر الخطب بمعنى الأفكار الخيالية.
[٢]. «تجلى لها» تعود الضمائر الست في هذه العبارة والعبارتين التاليتين إلى الأوهام ومفهومها في العبارة الأولى أنّ اللَّه تعالى تجلى للعقول عن طريق الإدراكات العقلية وللأنظمة التي يراها العقل في عالم الخلقة وسلم عن طريق الإدراك العقلي باستحالة إدراك ذاته على العقول. وحوكم العقل بادعائه درك كنه ذاته من قبل العقل نفسه (عليك بالدقة). أمّا ما ذكره البعض من احتمالات أخرى لعودة الضمائر فلا يبدو صحيحاً.