نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥ - الشرح والتفسير هو من يستحق الشكر
تبارك وتعالى فقال:
«ونَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاج لِفَضْلِهِ، مُؤَمِّل لِنَفْعِهِ، وَاثِق بِدَفْعِهِ، مُعْتَرِف لَهُ بِالطَّوْلِ [١]، مُذْعِن [٢] لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ».
تشير هذه العبارات الخمس إلى مواضيع متنوعة؛ الأوّل: الحديث عن الأمل بفضل اللَّه في الأمور المعنويّة، والثاني: الأمل والرجاء في المنافع والمصالح الماديّة، والثالث: الثقة بدفع الآفات والمضرّات عن العباد، والرابع: مقام الاعتراف بالنعم، وأخيراً أداء حقّ الشكر بالقول والعمل.
فقد اتّجه الإمام عليه السلام بعد بيانه لما يستحق اللَّه تعالى من حمد واستعانة تامة بذاته المقدّسة الإفصاح عن إيمانه بالذات المقدّسة، وهو الإيمان الذي انطوى على جميع المزايا فقال عليه السلام:
«ونُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً، وخَنَعَ [٣] لَهُ
مُذْعِناً، وأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً، وعَظَّمَهُ مُمَجِّداً، ولَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً».
حقّاً إنّ الإيمان الذي ينطوي على كلّ هذه الصفات ويختزن كلّ هذه الآثار لهو أرفع إيماناً وأرسخ عقيدة، ولا يتأتّى مثل هذا الإيمان إلّامن خلال تطهير القلب من دنس المعصية والإبتعاد عن الأهواء والسعي إلى تهذيب النفس والتوجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى، ولعلّ هنالك من يتساءل: لماذا استهل الإمام عليه السلام كلامه بحمد اللَّه والثناء عليه ثم استعان بذاته المقدّسة ليتجه أخيراً إلى الإيمان، والحال أنّ الإيمان هو دافع الحمد والاستعانة؟
والجواب عن ذلك، إنّ الإيمان الذي تطرق إليه الإمام عليه السلام هنا هو الإيمان الجامع للكمال، والذي لا يحصل إلّابعد حمد اللَّه والإستعانة بذاته المقدّسة وما وجب سابقاً قبل الحمد والإستعانة إنّما يمثل المراحل الابتدائية للإيمان.
[١]. «الطول» بمعنى الفضل والنعمة، وأصلها من طول على وزن «نور» بمعنى ما يحفظ للإنسان قوّته وبقاءه وإمكان استمراره في الوجود، مادة «طَوْل» على وزن «قَوْل» وعليها اطلقت هنا.
[٢]. «مذعن» من مادة «إذعان» بمعنى التصديق والطاعة.
[٣]. «خنع» من مادة «خنوع» بمعنى الخضوع والتواضع.