نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - القطرة والبحر
والخزرج كانوا يعبدون «مناة»، وبنو ثقيف «اللاة والعزى» وهذيل «سواع» وبنو كلب «ود» وسائر الطوائف كانت تعبد سائر الأصنام، وقد نصب «هبل» كأعظم صنم لهم في الكعبة بينما كان «اساف» و «نائلة» على الصفا والمروة فكان الجميع يعظم هذه الأصنام الثلاثة فتحولت الكعبة مركز التوحيد والعبودية إلى أكبر معبد وثني للأصنام.
وقطع الرحم الوارد في كلام الإمام عليه السلام يمكن أن يكون إشارة إلى قتلهم أولادهم خشية الفقر أو بصفته عبادة يتقربون بها لأصنامهم، وتشير «الغارات المشنونة» الحروب المتعددة التي كانت تنشب بين القبائل العربية في العصر الجاهلي تحت مختلف الذرائع، حتى ذهب بعض المؤرخين إلى أنّ نار تلك الحروب لم تكن تطفأ حتى ظهر الإسلام فوضع حداً للاقتتال القبلي وقتل الأولاد ووأد البنات وعبادة الأوثان.
وهذا هو مصير من يقطع أواصر الوحدة ويقبل على الاختلاف والتشتت والنفاق والذي يتجلى بصيغة معينة في كلّ أمّة ولا يقتصر على العصر الجاهلي.
تأمّل
القطرة والبحر
لعلنا سمعنا كراراً هذا الكلام في أنّ قطرات الأمطار ليس لها من قيمة تذكر بمفردها، غير أنّها إن اتصلت بسائر القطرات وشكلت نهراً عظيماً وتراكمت مع بعضها البعض الآخر ألفت كتلة عظيمة من شأنها القيام ببعض الأعمال الكبيرة ومن ذلك إنتاجها للقوّة الكهربائية التي تشغل المصانع والمعامل الضخمة، وتضيئ المدن والقرى وتسقي قطاعات واسعة من المزارع والحقول، وبالتالي يمكنها إضفاء الحياة والحيويّة.
ويبدو أنّ الناس كذلك، فكلّ إنسان مهما كانت قدرته وطاقته لا يمكنه القيام ببعض الأعمال بمفرده، على غرار قطرة المطر، ولكن ما أن تتظافر هذه الجهود الصغيرة حتى يكون لها تأثيراتها الواضحة في هذا العالم، فهي لا تشكل درعاً