نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٩ - فلسفه العبادات
وقد وردت إشارات واضحة في الأخبار والروايات إلى هذه الأمور، من ذلك ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام:
«إنّ اللَّهَ أوحى إلى مُوسى عليه السلام أتَعلَم لِمَ اخْتَرتُكَ مِنْ بَين خَلقِي؟ قَالَ مُوسى عليه السلام: لا، فَقَالَ تَعالى: «يا مُوسى إنّي قَلَّبْتُ عِبادِي ظَهْراً وبَطْناً فَلَمْ أَجِدْ أَحَداً أذلَّ لِي نَفْساً مِنْكَ يا مُوسى انَّكَ إذا صَلَّيْتَ وَضَعْتَ خَدَّيْكَ عَلَى التُّرابِ» [١].
ثم خلص عليه السلام إلى هذه النتيجة فقال:
«انْظُرُوا إِلى مَا فِي هذِهِ الأَفْعَالِ مِنْ قَمْعِ [٢]
نَوَاجِمِ [٣] الْفَخْرِ وقَدْعِ [٤] طَوَالِعِ الْكِبْرِ»
. جدير ذكره أنّ بعض هذه العبادات تتكرر كلّ يوم حتى لا يشهد الإنسان يوماً يخلوفيه من مفهوم نبذ الكبر.
تأمّل
فلسفه العبادات
لاشك في أنّ اللَّه تبارك وتعالى غني عن عباداتنا وعبادة الملائكة ولوسلك جميع من في السموات والأرض طريق الإيمان أو الكفر لما أضاف ذلك إلى جلاله شيئاً أو انتقص منه: «انْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ» [٥].
وكذلك قال: «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» [٦].
وكل إنسان مهما كان له من شيء فمن اللَّه تعالى ونفحة من نفحاته سبحانه، وعليه فلا يستطيع هذا المخلوق أن يقوم بفعل من شأنه زيادة عظمة اللَّه، ومن هنا يمكن الاستنتاج أنّ فلسفة الأحكام وفائدتها ولا سيما العبادات إنّما تعود على الإنسان نفسه، وللعبادات فلسفة مشتركة وفلسفة خاصّة؛ فالفلسفة المشتركة للعبادات تتمثّل في الخضوع والتواضع للَّهوتحطيم صنم الكبر والغرور والطغوى والعصيان، أضف إلى ذلك فإنّ العبادة تذكر الإنسان باللَّه وتبث الروح في قلبه ونفسه
[١]. من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ٣٦٣.
[٢]. «قمع» بمعنى القهر.
[٣]. «نواجم» جمع «ناجمة» كلما يطلع ويظهر. من «نجم» على وزن «حجم» بمعنى الطلوع والظهور.
[٤]. «قدع» تعني الكفّ والمنع.
[٥]. سورة إبراهيم، الآية ٨.
[٦]. سورة آل عمران، الآية ٩٧.