نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٠ - الشرح والتفسير الغنى عن الخلق
الْامُورِ. بِلَا قُدْرَة مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وبِغَيْرِ امْتِنَاع مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا، ولَوقَدَرَتْ عَلَى الْامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا».
إشارة إلى تسليم جميع عالم الخلقة لإرادة اللَّه سبحانه وتعالى، فليس له من اختيار في بداية خلقه ولا حين زواله ونهاية حياته، فلو كان خلقه وفناؤه بيده لعاش الخلود، فمما لا شك فيه كلّ كائن يسعى لبقائه.
طبعاً هذا الكلام لا يتنافى مع كون الإنسان مختاراً في أفعاله، لأنّ مراد الإمام عليه السلام بيان بداية الخلقة وختامه الخارج عن الإرادة والاختيار والذي يتم وفق الحكمة والمصلحة.
ثم أشار عليه السلام إلى هذه النقطة فقال:
«لَمْ يَتَكَاءَدْهُ [١] صُنْعُ شَيء مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، ولَمْ
يَؤُدْهُ [٢] مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَبَرَأَهُ».
لأنّ التعب والضعف والعجز من خصائص الإنسان المحدود القدرة، فإنّ أراد القيام بعمل يفوق طاقته فإنّه يعجز، وإن كان بمستوى طاقته فإنّه يشعر بالتعب أمّا بالنسبة لمن كانت قدرته مطلقة فحمل القشة من الأرض والجبل العظيم لديه على حد سواء فهو ليس بحاجة لوسيلة أو أداة ليستعين بها وإرادته تكفي في ذلك: «اذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [٣].
وينسجم كلام الإمام عليه السلام هذا مع ما ورد في جانب من آية الكرسي: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا» [٤]: وقال في موضع آخر بعد الإشارة إلى خلق السماء والأرض «وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ» [٥].
ثم خاض عليه السلام في بيان هذه النقطة المهمّة في أن خلقه لعالم الخلقة لم يكن لجلب
[١]. «يتكاءده» من «كاد» على وزن «وعد» بمعنى المشقّة والعبارة هنا تعني لا يشق عليه وكؤود: كثير المشقّة.
[٢]. «يؤده» من مادة «أود» على وزن «قول» بمعنى الثقل ولم يؤده بمعنى لم يثقل عليه.
[٣]. سورة يس، الآية ٨٢.
[٤]. سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
[٥]. سورة الاحقاف، الآية ٣٣.