نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٤ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
وأشار في الصفة الخامسة إلى مقام العفة في أنّ أرواحهم عفيفة، تلك العفة التي تسوق الإنسان إلى غض الطرف عن الهوى والمعصية، وبعبارة أخرى لم يعد للأهواء والمعاصي من سبيل إليهم بحيث ينفرون من رؤية المناظر القبيحة والفاحشة.
قال عليه السلام في إحدى كلماته القصار:
«مَا الْمُجاهِدُ الشَّهيدُ في سَبيلِ اللَّهِ بِأَعْظَمَ اجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ؛ لَكادُ الْعَفيفُ أنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ» [١].
وكيف لا يكونون كذلك وقد انتصروا في ميدان الجهاد الأكبر على عدوٍ خطر هو هوى النفس والشيطان.
ثم قال في ذكر صفة أخرى من صفاتهم:
«صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً. تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ»
. فالصبر سواء على الطاعة أو إزاء وساوس المعصية أو على المصيبة لمن الصفات البارزة للمتّقين.
ولا يسع أحد الظفر بأي هدف معنوياً كان أم مادياً ما لم يتحل بالصبر والاستقامة ولوفقد الإنسان هذه الصفة فإنّه يخاطر بدينه وإيمانه وعزته وشرفه ومن هنا جاء في حديث عن الإمام عليه السلام أنّه قال:
«وعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْايمانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ» [٢].
ونقل المرحوم الكليني في الكافي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«الْجَنَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكارِهِ والصَّبرِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَكارِهِ فِي الدُّنْيا دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ وجَهَنَّمُ مَحْفُوفَةٌ بِاللَّذاتِ والشَّهَواتِ فَمَن أَعْطى نَفْسَه لَذَّتَها وشَهْوَتَها دَخَلَ النّارَ» [٣].
واعتبر الإمام عليه السلام كما ورد في العبارة أنّ هذا العمل؛ أي الصبر مدّة قليلة إزاء نيل تلك السعادة الخالدة تجارة مربحة يسرها اللَّه لهم.
قال تعالى: «انَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً
[١]. نهج البلاغة، القصار الكلمات، الكلمة ص ٥٧٤.
[٢]. المصدر السابق، الكلمة ٨٢.
[٣]. الكافي، ج ٢، ص ٨٩، باب الصبر، ح ٧.