نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢١ - الشرح والتفسير الكعبة المقدّسة
مُصَارَعَةَ [١] الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ، ولَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، ولَنَفَى مُعْتَلَجَ [٢]
الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ».
قطعاً أنّ فلسفة الحج تهدف إلى دفع الإنسان إلى مقاومة هوى النفس والوساوس الشيطانيّة، وتصبح هذه المقاومة ضعيفة إن كانت لهذه المناسك مسحة جماليّة، بينما تصبح مقاومة الوساوس الشيطانيّة والأهواء النفسيّة أقوى حين تقام هذه المناسك بنوع من الصعوبة والمشقّة في ذلك الوسط الجاف والبسيط؛ وعلى هذا الأساس تشتد مقاومة عباد اللَّه ويصبح إيمانهم أقوى وأرسخ وتنفعهم الآثار التربويّة للحج.
والمراد من
«مُصَارَعَةَ الشَّكِّ»
مبارزة وساوس الشك والهواجس التي تخطر على قلب المؤمن وهي الوساوس الباطنيّة، والمراد من «مجاهدة إبليس» وساوسه الخارجيّة، ومفهوم العبارة
«مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ»
تلاطم أمواج الشكوك التي تطغى على المؤمنين في التكاليف الدينيّة الشاقة، و
«شكّ» و «ريب»
وإن فسّرت بمعنى واحد إلّا أنّ بعض أرباب اللغة ذهب إلى أنّ الريب بمعنى الشك والترديد الذي يرفع عنه الغطاء لاحقاً، بينما يمكن أن يكون الشك باقياً.
ثم خلص الإمام عليه السلام إلى نتيجة كلّية فقال:
«ولكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، ويَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ، ويَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ، ولِيَجْعَلَ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً [٣] إِلَى فَضْلِهِ، وأَسْبَاباً
ذُلُلًا [٤] لِعَفْوِهِ».
إشارة إلى أنّ الواجبات الشرعيّة كالصوم والصلاة والحج والزكاة والخمس
[١]. «مصارعة» من «صرع» على وزن «فرع»: الصرع في الأرض و يقال المصروع على من أصيب بمرض الصرع لأنّهيطرحه أرضاً.
[٢]. «معتلج» تعني «التلاطم» من مادة «اعتلاج» يعنى نزاع أحدهما للآخر.
[٣]. «فتحاً» بمعنى «الفتح» معروفة.
[٤]. «ذلل» جمع «ذلول» بالمعنى التسليم والانقياد.