نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - الشرح والتفسير اجتناب تبعية المتكبرين
والغرور والعصبية حذر مخاطبيه مباشرة من سوء عاقبة السير على هذا المسار الشيطاني وألقى باللائمة على أولئك الذين يثيرون الخلافات والنزاعات ويؤججون نيران الصراعات تحت ذرائع واهية تستند إلى العصبية القبلية والتفاخر الذي تقوم به جماعة على أخرى فقال عليه السلام:
«ألَا وقَدْ أَمْعَنْتُمْ [١] فِي الْبَغْيِ، وأَفْسَدْتُمْ فِي الأَرْضِ
مُصَارَحَةً [٢] للَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ [٣]، ومُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنينَ بِالْمُحَارَبَةِ».
ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المخاطب بهذه العبارات هم جند الشام واتباع معاوية ولعلهم إستندوا في ذلك إلى خطاب الإمام عليه السلام اللاذع والشديد الذي لم يكن مناسباً لما عليه أهل الكوفة والعراق، في حين يفهم من سبب هذه الخطبة وسائر الخطب أنّ مخاطبي الإمام عليه السلام هم طغاة الكوفة والعراق الذين كانوا يثيرون الصراعات بين القبائل وأدّوا إلى المزيد من الفساد وإراقة الدماء انطلاقاً من التعصبات الجاهليّة والقبليّة؛ الأمر الذي يعتبر عداءً صريحاً للَّهمن جانب وحرباً شعواء على المؤمنين من جانب آخر.
ثم اشتد كلام الإمام عليه السلام فخاطبهم قائلًا:
«اللَّهَ فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ وفَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ! فَإِنَّهُ مَلَاقِحُ الشَّنَآنِ، ومَنَافِخُ الشَّيْطَانِ».
وبالنظر إلى أنّ
«ملاقح»
جمع
«ملقح»
على وزن مجرم، فإنّ مفهوم العبارة أنّ الكبر والتعصب سبب ايجاد البغض والعداوة وكذلك
«منافخ»
جمع
«منفخ»
على وزن «مصرف» وسيلة ينفخ بواسطتها ومفهومها أنّ الشيطان يوسوس في القلوب عن هذا الطريق ويسوقهم إلى الفساد.
ثم أشار عليه السلام إلى آثار ومخاطر هذه الوساوس والنفخات الشيطانيّة فقال:
[١]. «أمعنتم» من مادة «إمعان» بمعنى المبالغة في القيام بشيء مشتقة في الأصل من مادة «معن» على وزن «دهن» بمعنى ارتواء الأرض بالماء.
[٢]. «مصارحة» من مادة «صرح» بمعنى الوضوح والظهور ومصارحة تعني مواجهة الشخص بصورة علنية.
[٣]. «مناصبة» من مادة «نصب» على وزن «نسب» بمعنى التعب والمشقّة كما تعني المناصبة التظاهر بالعداوة التي تؤدّي إلى تعب ومعاناة الطرفين.