نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - الشرح والتفسير ليل المتّقين
ولما فرغ الإمام عليه السلام في العبارات السابقة من بيان كيفية صلاة المتّقين المقرونة بتلاوة الآيات القرآنيّة والمتزامنة مع الخضوع والخشوع والتدبّر وحضور القلب أردفها في العبارة التالية ببيان ركنين آخرين هما الركوع والسجود فقال:
«فَهُمْ حَانُونَ [١] عَلَى أَوْسَاطِهِمْ [٢]، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ [٣] وأَكُفِّهِمْ ورُكَبِهِمْ، وأَطْرَافِ [٤]
أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ [٥] رِقَابِهِمْ».
فالعبارات التي ذكرها الإمام عليه السلام بشأن الركوع والسجود تعبيرات بمنتهى الروعة والجمال والتي تُطلع الإنسان على عمق هذه العبادات، فالإنحناء أمام اللَّه وافتراش الجبين وبسط الأرجل على الأرض إزاء عظمة اللَّه بالتوجه وحضور القلب ينطوي على عالم من المعنويات، والطريف أنّ الهدف النهائي لذلك تحرير رقبة الإنسان من قيد الأسر، ولكن هل المراد تحريرها من مخالب نار جهنم أم من كلّ قيد من قيود هوى النفس والشيطان والأشرار من الناس؟ يبدو أنّ عبارة الإمام عليه السلام مطلقة تشمل الجميع رغم تظافر الروايات التي وردت فيها العبارة
«مِنَ النّارِ»
بعد
«فَكاكَ الرَقَبَة».
نعم! فحرية الإنسان مرهونة بعبوديّته للَّهفي الدنيا وفي الآخرة وسوى المتّقين أسرى الأهواء والرغبات والأموال والثروات والمقامات والشياطين.
وما بيّنه الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة بشأن المتّقين إقتباس في الواقع من الصفات التي ذكرها القرآن الكريم للمتّقين في آواخر سورة الفرقان عن
«عِبادُ الرّحمن»
فقد قال تعالى: «وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً» [٦].
[١]. «حانون» من مادة «حنو» بمعنى الانعطاف، اذن «حانون» جمع «حاني» بمعنى الشخص الذي ينحني.
[٢]. «أوساط» جمع «وسط» بمعنى الظهر.
[٣]. «جباه» جمع «جبهة» بمعنى الجبين.
[٤]. «أطراف» جمع «طرف» بمعنى رأس كلّ شيء وتعني هنا رأس البنان الذي يوضع على الأرض في السجود.
[٥]. «فكاك» و «فك» بمعنى التحرير والتفريق.
[٦]. سورة الفرقان، الآيتان ٦٤ و ٦٥.