نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٩ - الشرح والتفسير معرفة اللَّه الحقيقية
فهذا المعنى لا يصح بالنسبة للَّهتعالى؛ لأنّ وجوده لا متناهٍ من جميع الجهات ويستحيل عليه التعدد، ولذلك فوحدة الذات القدسيّة ليست وحدة عددية، بل بمعنى انعدام الشبيه والنظير والمثيل لها، وهوذات المعنى الوارد في سورة التوحيد: «وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ» [١].
وبعبارة أخرى يمكن التعدد في الواحد العددي؛ لكنه يستحيل في الواحد الذاتي.
وأشار في العبارة الثانية
«دَائِمٌ لَابِأَمَد»
إلى أنّ دوام وجوده سبحانه ليس بدوام زماني لأنّ ذاته القدسيّة تفوق الزمان والمكان بل المراد منه الدوام الذاتي.
ومفهوم العبارة
«قَائِمٌ لَابِعَمَد»
أنّ قيامه بذاته؛ لا بمساعدة الآخر وبعبارة أخرى فإنّ القيام ذو مفهوم مادي وهو وقوف الشيء على قدميه أو بالاستعانة بعمود، كما له مفهوم يفوق المادة وهو أنّه وجود مدير ومدبر لعالم الوجود ودون الاستناد إلى شيء آخر وهذا هو معنى قائمية اللَّه تعالى.
بعبارة أخرى فإنّ جميع الموجودات تعتمد على ذاته القدسيّة وهو قائم بهذه الذات.
ثم بلغ كلام الإمام عليه السلام ذروته ليخوض في تلك الذات المطلقة إلى الحد الذي يسعه الفكر البشري فشرح الذات المقدّسة بأسلوب رائع ضمن عبارة قصيرة وعميقة المعنى بما يبعدها عن التشبيه ولا ينتهي إلى تعطيل المعرفة فقال:
«تَتَلَقَّاهُ الأَذْهَانُ لَابَمُشَاعَرَة [٢]، وتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي [٣] لَابِمُحَاضَرَة [٤]».
[١]. أشرنا في شرحنا للخطبة ٦٥ في الجزء الثالث من هذا الشرح إلى حديث عميق المعنى والذي بيّنه أميرالمؤمنين عليه السلام في رده على السائل الذي سأله عن وحدانيّة اللَّه تعالى، فذكر عليه السلام للواحد أربعة معانٍ يستحيل اثنان منهما على اللَّه بينما يصح الآخران (راجع نفحات الولاية، ج ٣، ص ٤١).
[٢]. «مشاعرة» تعني الإدراك بواسطة الحواس ومادته شعور بمعنى الاحساس.
[٣]. «مرائي» جمع مرءاة تطلق أحياناً على العين حيث تنعكس فيها صور الموجودات.
[٤]. «محاضرة» بمعنى الحضور والمجالسة.