نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨ - الشرح والتفسير معرفة اللَّه الحقيقية
وعليه فهنالك قدرة تفوقها أزليّة وأبديّة والكلّ مستند في وجوده إلى الذات المقدّسة، والذي نود بيانه هنا أنّه ما الفارق بين العبارة
«مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ»
والعبارة السابقة
«الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ؟»
فهل العبارتان تفيدان اثبات أزلية اللَّه عن طريق حدوث الموجودات؛ أي أنّها صفة وضحت بعبارتين أم أنّ لكلّ منهما مفهوماً مستقلًا؟ طبعاً فصاحة وبلاغة الإمام عليه السلام تستلزم أن تختزن كلّ عبارة مفهوماً جديداً.
فلا يستبعد أن تكون العبارة السابقة إشارة إلى الدلالة التكوينيّة والعبارة الأخيرة إشارة إلى الدلالة التشريعيّة، أي كما يدل حدوث الموجودات على أزليّة اللَّه بلسان التكوين ففي الآيات القرآنيّة وروايات المعصومين وردت مثل هذه الاستدلالات بعبارات مختلفة.
قال القرآن الكريم: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْاكْرَامِ» [١].
وقال في موضع آخر: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيُ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ» [٢].
فالآية في الواقع إشارة لبرهان العلية الذي جاء في الفلسفة لاثبات وجود اللَّه وهو أنَّ العالم الذي نعيش فيه حادث لا شك، فهل وجد هذا الحادث بدون علّة أم أنّه علّة لنفسه أم أنّه معلول لعلة أخرى معلولة لعلة أخرى أو مخلوق للَّهتعالى واجب الوجود؟ الذي وجوده في ذراته ولا يبقى سوى الاحتمال الرابع بعد الإلتفات إلى بطلان الاحتمالات الثلاثة الأولى.
ثم ذكر الإمام عليه السلام ثلاث صفات أخرى من صفات اللَّه تعالى فقال:
«وَاحِدٌ لَابِعَدَد، ودَائِمٌ لَابِأَمَد، وقَائِمٌ لَابِعَمَد».
والمراد من الواحد العددي الأشياء التي لها شبيه ومثيل وثاني وثالث ولكن لم يوجد إلّا فرد منها؛ كالشمس في المنظومة الشمسيّة فهي واحدة فقط لا غير ولكن لها ثان.
[١]. سورة الرحمن، الآيتان ٢٦ و ٢٧.
[٢]. سورة طور، الآية ٣٥.